تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
توفي رحمه اللّه في يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وسبعمائة . ومولده ليلة الجمعة العشرين من ربيع الأول عام ثمانية وتسعين وستمائة . وأما أخي محمد - رحمه اللّه تعالى - فكان على طريقة والده من العزلة ، ومحبة الوحدة والخلوة ، وقلة الخلطة . كان بي حفيا ، وفي دينه قويا . صبر على مجاهدة النفس في العبادة ، حتى صارت له سجية وعادة . كان - رحمه اللّه - من عظم شفقته عليّ يجلس دائما على طريقي إلى الصف الأول ، فلا يمر يوم حتى يقف معي ويسألني عن حالي ويدعو لي بقلب صاف ، وودّ واف ، ومتى فقدني في وقت صلاة ، وقف علي في بيتي وسأل عن حالي . خلفه ولده محمد فسلك طريقته ، وزاد بصحبة المشايخ والفقراء والأخذ عنهم ، له اشتغال في الفقه والنحو واللغة ، ومع ذلك تراه كأنه أحد الترابية ، أعانه اللّه ووفقه . وكانت وفاة أخي محمد رحمه اللّه في شهر جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وسبعمائة ، ومولده ليلة السبت سلخ شوال سنة سبعمائة ، تغمده اللّه برحمته ، وأسكنهم فسيح جنته ، كما نقلهم من لين المهود ، إلى ضيق اللحود ، فما أعظم مصيبة فراق الإخوان ، وقولي كان فلان وفلان ، رب ارزقني صبرا فلم يبق إلا القليل ، ومتعني بسمعي وبصري وكلاهما عليل ، واللّه تعالى هو الباقي بعد كل خلّ وخليل .
لو أنّ ما أبقت الأيام من جسدي * يكون فوق خباب الماء ما غرقا
أو كان في مقلة نامت لما انتبهت * أو كان في لهوات الماء ما شرقا
يا رب اعترتني أسقامي حتى نحلت ، وكرّ عليّ الجديدان « 1 » حتى ذبت ، وازددت وهنا وضعفا لما طعنت ، فإن سألتني : ما حالك ؟
هامش
( 1 ) الليل والنهار .