تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
نفقته ، وكان غالب عيش المدينة من زرعها وزرع السوارقية ، لا يأتي من الشام إلا قليل ، حتى كان السعيد يدخل بيته جمل أو جملان ، وكان للدارب على من يشتري شيئا مكس كثير ، وخراج عظيم . قال : فاشتريت حمل قمح ، فلما دنوت من الدرب ، قال لي صاحب الجمل : أنا ما أدخل به أخاف أن أطالب بخراجه . قال : فقلت له : سق الجمل وأنا أتكفل بما يريدون منك ، ففعل ، فلما أردت الدخول قرأت أوائل سورة
يس
وتعوذت ودخلت مع الجمل فلم يرونا ، ولا عرفونا ، فجاءهم من ذكر لهم أني اشتريت حمل قمح فقالوا : لم يدخل به من عندنا ولا رأيناه ، فدفع اللّه شرهم عنه بصدقه وضرورته لعياله ، فمن كان مع اللّه كان اللّه معه ، توفي رحمه اللّه يوم الخميس الرابع عشرين من شهر ربيع سنة إحدى وعشرين وسبعمائة ، جدّد اللّه عليه الرحمة . ورآه أخي علي في المنام بعد وفاته ، فقال له : يا سيدي ما فعل اللّه بك ؟ قال : أعطاني وحباني ، فها أنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر . وأما أخي نور الدين أبو الحسن علي « 1 » واسمه من العلو والدين ، مع ما حوى من علم الفقه والأصول والعربية والحديث واللغة والمعاني والبيان والأدب ، مع المشاركة العظيمة في سائر العلوم ، وكان قد بلغ في العلوم الأدبية إلى النهاية . فإن قلت : لم يكن في زمانه بالمدينة والحجاز من برع براعته ، ولا ساد سيادته ، مشاهدة حق عليها كل الخلق ، ممن جل ودق ، وكان يلقي درس الفقه في « مختصر ابن الحاجب » ، فيحضره الشيخ حسن الحاحائي ، والشيخ عبد السلام بن غلام ، وكانا من الفقه بمكان ، لم يلحقهما في علمهما وعملهما مثلهما وقد تقدم ذكرهما ، وكانا يدققان معه في البحث المتين فيظهر بذهن ثاقب وحفظ معين . وله تواليف مفيدة في العربية والحديث واللغة والتصوف ، وله « ديوان »
هامش
( 1 ) ترجمته في : « التحفة اللطيفة » 2 / 295 ( 3076 ) ، « المغانم المطابة » الورقة 252 / ب ، « الدرر الكامنة » 3 / 115 ( 263 ) ، « شجرة النور الزكية » 203 / 699 .