المسلمين بعده ، إلى أن حضر الفقهاء واستفتاهم فيما يحل له أخذه من مال المسلمين ، فأخذ ما أفتوه به ولم يتعرض إلى غيره البتة ، ولم يلبس قط ما حرّمه الشرع من حرير أو ذهب ، وأبطل المكوس من جميع بلاده ، ومنع شرب الخمر وقمع البدع ، وأخرج الروافض من حلب وأعمالها ، وشتت شملهم ، وكان ورده من نصف الليل إلى طلوع الفجر في صلاة وتلاوة وذكر .
وبعثت إليه زوجته تستقل النفقة على نفسها وعيالها فتنكر لذلك « 1 » وقال :
من أين أعطيها ، واللّه لا أخوض نار جهنم في هواها ، إن « 2 » كانت تظن أن الذي بيدي من الأموال هي لي فبئس الظن ، إنما هي أموال المسلمين وأنا خازنهم عليها ، فلا أخونهم فيها ، ثم قال : لي بمدينة حمص ثلاثة دكاكين ملكا وقد وهبتها لها فلتأخذها .
قال ابن الأثير : وكان بالجزيرة رجل من الصالحين ، وكان نور الدين يكاتبه ، فبلغه أن نور الدين يدمن اللعب بالكرة . فكتب إليه يقول له « 3 » : ما كنت أظنك تلهو وتلعب وتعذب الخيل بغير فائدة .
فكتب إليه بخطه « 4 » : واللّه ما يحملني على ذلك اللهو والبطر ، إنما نحن في ثغر العدو قريب منا ، وبينما نحن جلوس إذ يقع صوت فنركب في الطلب ، ولا يمكننا ملازمة الجهاد شتاء وصيفا ، إذ لا بد للجند من الراحة ، ومتى تركنا الخيل على مرابطها صارت جماما لا قدرة لها على إدمان السير في الطلب ، ولا
هامش
( 1 ) في المطبوع : ( فتنكر ذلك ) .
( 2 ) في المطبوع : ( فإن ) .
( 3 ) في المطبوع : ( بقوله ) .
( 4 ) في الأصل ( بخط يده ) .