تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦

[ 79 - والشيخ أبو عبد اللّه محمد الخراز . ]

أقاما في بيت واحد فوق الثلاثين سنة مجتمعين على صناعة واحدة يخرزون في بيتهم هم وأتباعهم لأنفسهم النّعال وغيرها ، ويرفعون ما فضل عن قوتهم فيتصدقون منه ويؤثرون ، وما بقي رفعوه إلى أيام الحاج ، ويؤلفون من أتاهم وقصدهم من الأخيار حتى من أتاهم إنه لا يفارقهم . كان الشيخ أبو الحسن له سابقة في مجاهدة الإفرنج بالأندلس ، فكان لا يزال يعد الوقائع والحروب وما جرى لهم من النصر على أعدائهم ، ويذكر من كانت له شجاعة وفروسية وفتك في النصارى ، وكان حسن التصوير في كلامه يستلذ السامع بحديثه ، فلذلك كان بيتهم لا يزال بالأخيار معمورا وأكثرهم الخدام الأخيار ، وكان لهم أوراد وأذكار مقدرة في أوقات معلومة لا يزال والدي ونظراؤه يأتونهم بعد العشاء الآخرة للذكر وقراءة المسبعات حتى يمضي جزء من الليل ، واتحد بسببهم حال المجاورين والخدام وحصل بينهم إخاء ، وارتفق بعضهم ببعض في الدين والدنيا رحمهم اللّه ، وقد تقدم ذلك . وكان من حالهم وخصالهم الحميدة أنهم يتفقدون المساجد المشهورة فيعمرونها ويساعدهم عليها الخدام بأنفسهم وخدمهم وأطعمتهم ، ويجعلونها نزاهات ، وهي في الحقيقة عبادات . كانوا إذا نزل الغيث وأصاب أحدا يخرجون إلى سيدنا حمزة عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيبيتون عنده في القبة في صلاة وعبادة وذكر ، ويجتمع معهم جلّ الخدام والمجاورين ورؤساء المؤذنين وفضلاء المدرسين ، وعامة الناس أجمعين من فقير ومجاور ، أو مديني يكون لهم خادم ، حتى إنه لم يبق في المدينة من أهلها إلا القليل ، فيخرج كل جماعة بما يقدرون عليه من الطعام الفاخر وغير الفاخر ،
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة ) — صفحة 126 | علي عمر / ابن فرحون