الجبال الساحلية المتوسطية ، أي لبنان وجبل العلويين والقبائل الكبرى ، والتي ظلت حتى غزوات القرون الوسطى كثيفة الأشجار وقليلة السكان ، تزايدا معتبرا في عدد السكان اللاجئين من السهول المجاورة ، مما أحدث انقلابا حقيقيا في التوزيع السكاني للعصور القديمة . وقد شكلت الجبال التي حافظت على إطارها البشري القديم وجبال اللجوء التي أعادت تشكيلها تقلبات العصر الوسيط في المجال العربي كله حواجز كبيرة في وجه البداوة ، وعموما في وجه عملية التعريب ( حالة الجبال المغاربية التي بقيت بربرية اللغة رغم تقبلها للإسلام نظرا لإطارها الديني البدائي وتحولها غير المكتمل للمسيحية ) ، وحتى في وجه انتشار الإسلام ( حالة لبنان وأراضي الحبشة المرتفعة ) ؛ بينما عرفت جبال أخرى تطور نحل خارجة عن التوجه الديني العام ، مثل العلويين في جبل الأنصارية والدروز في جبل الدروز والزيديين في اليمن ، مما يدل على الانتشار السطحي للإسلام في هذه المناطق . وقد وجد الإسلام العربي في التضاريس الجبلية أكبر الحواجز التي حدت من نجاحاته ، فقد لاحظ ابن خلدون أن العرب ( البدو ) لا يهيمنون سوى على بلاد السهول « 1 » . ويختلف الأمر تماما في المجال التركي الذي كان البدو فيه يمتلكون حيوانا مكنهم من التقدم داخل الجبال ، بالإضافة إلى ميلهم الأساسي للعيش في مواطنهم الصيفية المعروفة باليايلا
( Yayla )
التي كانت تذكرهم بإطار عيشهم التقليدي في براري آسيا الوسطى المرتفعة .
ويجب الوقوف على معنى كلمة يايلا في اللغة والروح التركية ، فهو يجمع بين معاني البرودة ، والمياه الجارية الباردة ، والمراعي الوفيرة ، التي تشكل صورة حقيقية للجنة . إن هذا المعنى هو الذي يفسر انجذاب الأتراك نحو الجبال التي حولوها إلى نمط البداوة بشكل مباشر أو غير مباشر بتحول أهاليها المستقرين إلى نمط العيش البدوي وبتزايد مدى التنقلات الرعوية القصيرة التي كانت سائدة في السابق ، كما هو الحال في كردستان ولورستان .
هامش
( 1 )Prole ? gome ? nes , Trad . de Slane , I , 309 - 310 .