تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ أرض الإسلام — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
متوسط التساقط السنوي 200 مم و 350 مم ، حيث تقترب من نطاق 200 مم في الهضبة المنخفضة التونسية المعتمدة على طرق زراعة الزيتون الصفاقسية في التربة الخفيفة ، بينما تتبع نطاق 350 مم في الهضاب العليا للجزائر الوسطى ، بحيث أن تغيرات مناخية طفيفة قد تحدث اختلافات مناخية معتبرة . لقد كانت الحياة الحضرية هشة في مناطق الأطراف هذه ، إذ توسعت البداوة بشكل كبير في السهول الشبه الجافة في أطراف المنطقة الصحراوية والتي كانت تسودها زراعة الحبوب ، حيث فرض الرعاة هيمنتهم بسهولة أكبر ، وتمكنوا من إيصال الإسلام إلى حدود مجتمعات فلاحية ذات كثافة وتماسك ومعتمدة على وسط مناخي مستقر . هذا هو الوضع الذي عرفته ، على سبيل المثال ، الحدود الشمالية الغربية للهند التي توافق السهل الهندي - الغانجي الواقع في نطاق التساقط السنوي 500 - 600 مم ، وهذه حدود مناخية رعوية نموذجية تترجم التوازن الحربي بين رعاة المنطقة الجافة الذين اعتنقوا الإسلام وسكان الجزء الشرقي للسهل الممارسين للزراعة وذوي الكثافة العالية . ونفس الظاهرة يمكن ملاحظتها في أوروبا إلا أن الحدود أوجدها البحر الذي منع التوسع البدوي في شبه الجزيرة الإيبيرية وحد منه كثيرا في البلقان ، فساعد بذلك المجتمعات الفلاحية على مقاومة أكبر في هذه المنطقة المعتدلة الرطبة ، حيث كان البحر عاملا مساعدا للعوامل المناخية . هكذا ارتسمت الحدود القصوى لتقدم البداوة التي لعب فيها الأثر غير المباشر للعوامل المناخية دورا مهيمنا في تحديد النتائج البشرية لنسبة تساقط يؤدي ارتفاعها مباشرة إلى حضارات فلاحية أكثر متانة وكثافة . هذا ولا يجب إغفال التأثيرات المباشرة للمناخ ، فقد بينت دراسات « 1 » أن نطاق استعمال الجمل في شمال إفريقيا يوافق نطاق التساقط السنوي 500 مم ، وما يفسر هذه
هامش
Despois , 1940 , p . 444 ss ; Jaeger , 1937 .( 1 )Despois , 1962 ; Charnot , 1959 .