تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ أرض الإسلام — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
ردنا على هذه النظرية يتمثل في أن الإسلام ليس مسؤولا بالطبع عن هذه التطورات إلا أنه رسخها بشكل ملفت ، وإذا لم يكن الإسلام هو المسؤول الأصلي عن الهجوم فإنه جعل عملية الدفاع مستحيلة ، وإذا لم يحدث الإسلام هذه الشروخ فإنه تقبل آثارها ، مما يؤكد وجود توافق جلي بينها وبينه ، فهو لم يكتف بتبنيها وإنما جعلها الحالة الطبيعية السائدة ، كما أنه لعب دورا في تلغيم عوامل المقاومة ، وعرقل باستمرار ، حتى الفترة المعاصرة ، محاولات التطور العكسي . وهذا التوافق لا يقبل النقاش عموما ، إن كان ذلك من حيث التطور الزمني أو على خارطة المعمورة « 1 » . إن الأولوية الظاهرية والمباشرة لعالم الروح على عالم المادة ، لا يجب أن تجعل القارئ يتبنى تفسيرا معمما وخاطئا بالضرورة بخصوص تأثير القوى المختلفة ، فصاحب هذا الكتاب من أولئك الذين يعتقدون ( أنظر الفصل الأول ) أن الإسلام ، وهو عامل مؤثر قوي في الإطار الجغرافي وصيرورته التاريخية ، قد تأثر بدوره ، ومنذ بداياته ، بهذا الإطار وبهذه الصيرورة . لقد كان التوافق طبيعيا بين الإسلام وبين نتائج الحالة الأنثروبولوجية والجغرافية التي تم التطرق إليها أعلاه ، لأن الدين الإسلامي في حد ذاته نتيجة لهذه الحالة في ظرف تاريخي معين . بهذا نفهم الآلية العامة للتأثير المتبادل بين الديانات والإطار الجغرافي « 2 » ، فالدين يشهد عند نشأته عملية تأقلم ويتأثر بحتميات أساسية قد لا تكون ظاهرة اليوم غير أن التحليل المعمق يسمح في أغلب
هامش
( 1 ) لا نسلم بوجهة النظر هذه التي أخذت بها العديد من الدراسات الغربية والتي تحاول أن تجد صلة بين الإسلام ومتطلبات أسلوب الحياة في البيئات الصحراوية ، متجاهلة الأوضاع السابقة للإسلام والظروف التي استجدت بعد انتشاره ؛ فمن المسلم به أن الإسلام دين حضري في أساسه ، ظهر في بيئات حضرية ( مكة المكرمة والمدينة المنورة ) ، وعمل على القضاء على مظاهر الجاهلية ، وأسس لمجتمع منضبط ومنظم يشجع على حياة الاستقرار وعلى تقنين وتطوير الأعمال الزراعية والمهن الحرفية والمبادلات التجارية ( المترجم ) . ( 2 ) يقدم الكتاب لاحقا تفسيرات مفصلة وأمثلة عديدة عن هذه الظاهرة .
تاريخ أرض الإسلام — صفحة 21 | كزاوييه دو بلانهول / ناصر الدين سعيدوني