لم يغير الاستيطان الرأسمالي الواسع النطاق الطابع العام للمجال حيث تظل بصمته سطحية وغير قارة ، فهو يهجر الأقاليم المستصلحة خلال الشتاء بين فترتي البذر والحصاد ، كما أنه لم يحدث بنية تحتية ولم يسهم في التطور العمراني ، غير أنه أنشأ ، في مقابل ذلك ، بنية اقتصادية متينة وجدت في الأرباح الضخمة لسنوات الرخاء ( حيث يتم تعويض كلفة العتاد بفضل محصول جيد واحد ) قوة المقاومة الضرورية للاستمرار خلال سنوات الجفاف وانعدام المحصول ، كما في سنة 1954 - 55 مثلا ، وخاصة السنوات العجاف الثلاث 1958 - 1961 التي قضت على قطعان البدو واضطرت الكثير منهم إلى الاستقرار بسبب الفقر المدقع ، مما انجر عنه تراجع طفيف لخط زراعة الحبوب ، إلا أن هذه السنوات لم تثبط عزيمة أغلب المقاولين الزراعيين الذين عوضوا خسائرهم بفضل محصول سنة 1962 الممتاز . ويمكن المشكل العويص في الوضع القانوني للأراضي وتأقلم الاستيطان واسع النطاق مع الإصلاحات الزراعية التي طبقت تدريجيا عبر الأراضي السورية ، فإذا كان المشكل غير مطروح بالنسبة للأراضي المسجلة باسم كبار الملاك والتي يتم تأجيرها بنفس الشروط لصغار الفلاحين المستفيدين من الإصلاح ، فإنه يبقى مطروحا فيما يتعلق بالأراضي الشاسعة غير المسجلة والتي تظل الحقوق المزعومة بشأنها نظرية ، وكذلك الأمر بالنسبة للأراضي المهجورة التي تم استصلاحها مباشرة . ورغم ذلك فليس هناك ما يفرض إعادة النظر في هذا النظام ككل .
إن هذا التطور المتميز الذي يعبر عن روح المبادرة الواسعة المستجدة في بلاد الشرق ، لم يتجاوز نطاق الهلال الخصيب . فالأطراف الداخلية للساحل المشرقي لم تشهد تطورات مشابهة بسبب كثافة الفلاحين العالية بها وقلة الأراضي الشاغرة . على أنه توجد حالات مشابهة في خوزستان الفارسي أو في هضاب غورغان
( Gourdan )
، كما أن حالات ممائلة يمكن أن تتجسد يوما ما عند اجتماع الشروط الاقتصادية والاجتماعية المناسبة في أقاليم تتوفر