تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ أرض الإسلام — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
رغم أصالة نمط العيش الذي يفرضه ، لم يكن منغلقا في وجه التأثيرات الخارجية بالقدر الذي يسمح بتبلور وحدة سياسية أو بشرية مستقلة ، باستثناء محاولة الزنج التي لم تعمر طويلا . هذا وقد بلغ التأثر الثقافي بسكان المناطق المحيطة مداه في المجال الروحي والديني ، بفعل الضغط المستمر للقبائل البدوية وروابط التبعية الاقتصادية مع المدن المجاورة ؛ فالانتماء الشيعي في العراق كان شاملا ولم يكن مقتصرا على منطقة المستنقعات ، كما أن المسيحيين الصابئة حافظوا على خصوصيتهم في مدن المنطقة وليس في المستنقعات ، بحيث أن هذه الأخيرة تشكل ملجأ غير مكتمل .

ج . اقتصار إمكانيات الحماية الكاملة على الإطار الجبلي :

أ . كانت جبال السواحل المشرقية تتميز بمجالها شبه الفارغ من السكان أو المقفر تماما في بعض الأحيان ، مما وفر إمكانيات كبيرة للاستقرار فيها ، فهذه الواجهة الشديدة الانحدار وذات الأمطار الغزيرة والتي تغطيها غابات كثيفة ، لم يتم اختراقها في العصور القديمة في جهاتها الشمالية على أقل تقدير . فلبنان ظل طوال الفترة الرومانية مجال غابات شاسعة لا تخترقها سوى بعض المسالك الضرورية لاستغلال الثروة الغابية والتي نجد عبرها كتابات هادريان « 1 » ، كما أن الآثار السابقة للإسلام شبه منعدمة في جبل الأنصارية « 2 » . وفي القرون الإسلامية الأولى كان خشب البناء نادرا بعد قرون من الاستغلال المكثف ، وانتقل أهم مركز لتصدير خشب بناء السفن من مصر إلى الشمال ، أي إلى كاسيوس وأمانوس وقوس جبال طوروس ، على أن لبنان حافظ على مكانته كمصدر لخشب الحرق والفحم والزفت ، خاصة باتجاه واحة دمشق . فالغابة اللبنانية النحيلة ذات الحجم الصغير كانت لا تزال تتوفر آنذاك على
هامش
( 1 )Vaumas , 1953 , p . 69 - 70 ; 1954 , p . 282 - 84 .( 2 )Vaumas , 1960 , p . 294 .
تاريخ أرض الإسلام — صفحة 119 | كزاوييه دو بلانهول / ناصر الدين سعيدوني