تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ اربل ( نباهة البلد الخامل بمن ورده من الاماثل ) — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
كان على غاية ما يكون عليه ، زاهد ( ح ح ) من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقف الملوك ببابه فلا يصلون اليه ، وإن أذن لهم جلسوا بين يديه ، لم يدع أحدا منهم إلّا باسمه ، ولم يعامله إلّا بما ينافي قاعدة رسمه . سمع عليه الحديث بالموصل واربل وغيرهما . إلّا أنه كان بإربل أقلّ إسماعا . حضرت في بعض قدماته وسألته السماع عليه ، فقال : أفعل - إن شاء الله - فإنّي قد وصلت وأنا في تعب الطريق . فسألته : الإجازة ، فتلفظ لي بها . ثم منعت عن لقائه موانع ، فسافر من إربل وغاب عنها غيبة طويلة ، ثم عاد فمنع أحد أن يدخل عليه البتّة ، فدخلت عليه مرة فرأيت رجلا / قد نهكته العبادة ، كان يأكل في كل شهر نصف مكوك ( أ ) حنطة يحمله فتوتا وينقعه في كل ليلة عند افطاره ويأكله في زبدية خضراء مخروشة فانكسرت منها قطعة كبيرة ، فقلت للقيّم بأمره : ولم لا يشتري الشيخ عوضها ؟ فقال : قد استأذنته في ذلك ، فقال : هذه تكفيني إلى أن أموت ، فمات ولم يأكل في غيرها . وكان مأكوله من غلّة ملك له ، وكان يأكل معه يسيرا من الزبيب الأسود . وأقام بإربل إلى أن مات - رحمه الله - ولم ينم صيفا أو شتاء إلّا داخل الدار التي كان فيها ، لم يخرج إلى سطح ولا إلى ساحة ، ولا أوقد عنده سراج قط . كان - فيما بلغني - يكتب الكتاب الكريم بيده من حفظه ، وكان تحته بارية صغيرة ( ب ) وعليها توفي . فحضرته وقد مرض في شهر رمضان في أول مرضه وسئل الدعاء لي ، فدعا لي - رحمه الله - وكان صائما فلم يفطر حتى غلب عليه المرض ، وكان يعطى الثلج وهو لا يعلم . وكان تحت رأسه لبنة فسئل تغيير هذه الحالة فأبى ، فلمّا لم يعلم بحاله جعل تحته كيس خام محشوة . فلم يزل على هذه الحال إلى أن توفي ليلة الجمعة التي صبيحتها عاشر شهر رمضان من سنة احدى وتسعين وخمسمائة ، ودفن ضاحي نهاره بالمقبرة العامة ( 11 ) ظاهر إربل من شرقيها ، وكان يوم دفنه مشهودا . نزل إلى قبره وألحده الفقير إلى الله - تعالى -