فتناقفت موجاتها ببوارق بيض الحبب ، شقّ الماء صخوره بمنشار « 1 » ، وتحدّر في تخوم ربوة ذات قرار ، برد نسيمه وتعطّر ، فلذا يزيد ماؤه ويتقطّر ، وخار ثوراه بتلك البقاع ، فاختارت قنواته خيط الارتفاع ، واهتزّت قناته اهتراز الصّلّ ، فصدّعت جوف الجبل رغبة في الظّلّ ، ودار الدارانيّ على أخدانه ، فاكتنفه الدّوح بظلال أفنانه ، وفاض دمع بانياس وانحدر ، وقصد الشقراء يسأل من النّسيم الخبر ، حين قسمتهم أيدي المقاسم ، وتركت كلّا منهم بحسن رياضه هائم « 2 » ، يسير بين ظلّ ظليل ، ورياض تتراءى للناظر بالحسن الجميل ، تناديه أطيارها : هلمّوا إلى مغرس للحسن ومقيل ، قد سئمت أرضها الما ، حتّى احتاجت إلى الظّما . [ الطويل ]
فمن روضة غنّاء تجري خلالها * جداول من نهر يفيض إلى نهر
رسائل تمشي بالمودّة بينهم * وتبدي لنا ما في حشاها من السّرّ « 3 »
تضمّه جبال تضيء بها قناديل النّجوم ، وتلتفّ على هاماتها أذيال الغيوم ، تغرّب الماء في أكنافها اغتراب الحارث بن مضاض « 4 » ، واضطرب في شعابها اضطراب الحيّة النّضناض « 5 » ، وهام شحرورها هيام سعد بورده « 6 » ، وأبدى فصاحة ابن يعفر حين أثار الغرام وجده « 7 » . [ السريع ]
هامش
( 1 ) المنشار : بقايا درجات حجرية في سفح جبل قاسيون الغربي ، إلى الغرب المجاور لدير مران ، فوق خانق الربوة ، عند الصخرة المشهورة التي كتب عليها ( اذكريني دائما ) وكانت هذه الدرجات تصل إلى مسجد الديلمي الذي جدده نور الدين الشهيد ، ولا زالت آثار هذه الصخرة باقية إلى الآن بعد أن أصبحت كأسنان المنشار . معجم دمشق التاريخي .
( 2 ) كذا الأصول ، مراعيا السجعة .
( 3 ) البيتان لابن النقيب . الديوان 142 .
( 4 ) الحارث بن مضاض بن عبد المسيح الجرهمي ، من ملوك الجاهلية ، خرج من بلاده يجول في الأرض زمنا طويلا ، فضرب المثل باغترابه ، ويقول المسعودي : إنه أول من تولى أمر البيت بمكة من جرهم .
( 5 ) النضناض من الحيات : الذي لا يثبت في مكانه لشرّته ونشاطه .
( 6 ) يريد قول النوّار بنت جلّ ، كما جاء في طبقات فحول الشعراء 1 / 30 .أوردها سعد وسعد مشتمل * ما هكذا تورد يا سعد الإبل( 7 ) ابن يعفر هو الأسود ، ولعلّه يقصد قوله الذي ذكره ابن قتيبة في الشعر والعشراء 1 / 255 .ماذا أؤمّل بعد آل محرّق * تركوا منازلهم وبعد إياد