وعدلت القناة من كل زيغ * وجلوت الغشا عن الأبصار
وفتحت الحصون حصنا فحصنا * من بلاد العدا بغير حصار
وخفضت العزيز منها ذليلا * بعدما إن جهدت في الأعذار
أيّ ذي منعة عصاك وملك * لم تزله عن ملكه بصغار
أو تنله يداك أو تصطلمه * أو تدع داره محل بوار
رام عيسى ما لم يرام فأمسى * ثاويا بالحصيب نائي المزار « 1 »
في بلاد يسومه الخسف فيها * من عبيد العصا شرار الشرار « 2 »
ولقد كان في رفاهة عيش * ساكن الليل مطمئن النهار
ناعم البال آمنا للأعادي * في ذرى ماجد حميد الجوار
يعمل الفكر في ابتناء المعالي * ويطيل القيام بالأسحار
غير حاز على التخالج * والشكّ « م » ولا نائم عن الأوتار « 3 »
فأبى جهله عليه ورأى * لم يزعه حلم عن الانتشار
وجرت في عروقه بنت حول * خندريس تبوح بالأسرار « 4 »
فسمى طرفه إليك على تلك * وأين الوليد من ذي الخمار
كم وكم من يد يحق لها الشكر * ومن نصرة وفكّ إسار
كفر الترخمي والكفر شيء * تجتويه طبائع الأحرار « 5 »
رام إذ رام صخرة تفلق الصخر * وترمي أمامها بالشرار
وأبا أشبل ببيثة جهما * تتحامى عنه الأسود الضواري « 6 »
لم تزل حمير لها فخم الفخر * عطاء من واهب ذي اقتدار
هامش
( 1 ) عيسى : هو القيل أبو العباس الترخمي الحميري . يأتي ذكره مع قصة النجابة إلى ابن زياد ملك تهامة واعتصامه بزبيد ، والحصيب بالضم : وادي زبيد .
( 2 ) عبيد العصا ، لعلهم موالي بني زياد ، أو هم بنو زياد بأنفسهم ، ورفاهة العيش : سعته وهناءته .
( 3 ) الحازي : المتكهن والذي يبني أموره على الظنون ويعتمد عليها ، وهي لغة مألوفة ، ومنه قول العامة :
أحزى لي على كذا ، أي أخبر بالغيب ظنا وتخمينا ، والتخالج : ما يختلج في النفس ويتردد من الشك ، والأوتار : معروفة ، الأذحال والظلم .
( 4 ) هذه أوصاف للخمرة .
( 5 ) المراد بالترخمي ، أبو العباس عيسى المتقدم الذكر . وتجتويه : تكرهه ، من اجتوى المكان كرهه واستوبأه .
( 6 ) الأشبل : جمع شبل وهو ولد الأسد ، وبيشة تقدم ذكرها كانت مشهورة لوجود الأسد فيها . والجهم :
الوجه الغليظ السمج ، والجهم أيضا : الأسد . والضواري : النهمة إلى الافتراس .