تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
يسهل اليوم عليكم إهمالي ، ويجمل لديكم إخمالي ، وترك احتمالي ، والأيام والحمد للّه مساعدة ، والملك ملك بني ساعدة ؟ فلمّا سمعت عتابها ، وعلمت أنها قد شدّت للمناضلة أقتابها ، قلت لها : أهلا بك وسهلا ، ومهلا عليك أو بهلا ، لقد دسع بعيرك ، وعادت بالخيبة عيرك . فليست الحقيقة كالمجاز ، ولا جلّيقية في النّيّات كالحجاز . هنا جنّات من أعناب مرسلة الذّيول ، مكملة الأطناب ، قد طاب استيارها ، وحمد اختبارها واختيارها ، وعذبت عيون أنهارها ، وتفتّحت كمائم أزهارها ، عن وردها ونرجسها وبهارها ، وسرت بطرف محاسنها الرّفاق ، حتى قلقت منها الشّام واليمن والعراق . فحين كثر خيرها ، سحر بالضّرورة غيرها ، وأنت لا كنت يا خشبة ، قد صرت من المنال عشبة ، وأصبحت نذلي خالفة ، ورذلي بالهم تالفة ، لا يجتنى بلحك ولا طلعك ، ولا يرتجى نفعك ، فالأولى قطعك أو قلعك ، وإلّا فأين قنوك أو صنوك ، أو تمرك أو سبرك ؟ هلا أبقيت يا فسيلة على نفسك ، وراعيته صلحة جنسك ؟ ولقد انتهت بك المحارجة إلى ارتكاب ما لا يجوز ، وفي علمك أنّ من أمثال الحكماء كل هالك عجوز . حسبك السّمح لك بالمقام ، ما دمت حيّة في هذا المقام . فانقطع كلامها ، وارتفع بحكم العجز ملامها . وما كان إلّا أن نقل مقالي ، فقال المتكلم بلسان القالي : أنا أتطوّع بالجواب ، وعلى اللّه جزيل الثّواب ، ليعلم كلّ سائل ، أنّ تفضيل النخل على العنب من المسائل التي لا يسع فيها جحد جاحد ، وإن كانا أخوين سقيا بماء واحد . وقد جرى مثل هذا الخطاب بين يدي عمر بن الخطاب ، فقيل : يا بني حتمة : أيهما أطيب ، الرّطب أم العنب ؟ فقال : ليس كالصقر ، في رؤوس الرّقل ، الراسخات في العقل ، المطعمات في المحل ، تحفة الصّائم ، ونقلة الصّبي القادم ، ونزل مريم بنت عمران ، والنخلة هي التي مثّل بها المؤمن من الإنسان ، ليس كالزّبيب الذي إن أكلته ضرست ، وإن تركته غربت ، وكفى بهذه الرواية حجّة ، لمن أراد سلوك المحجّة . وعلى كل تقدير ، فقد لزم التفضيل للنخلة على الكرمة لزوم الصّلة للموصول ، والنّصب للمنادى الممطول ، والعجز لكتابي المحصّل والمحصول . وكم على ترجيح ذلك من قياس صحيح ، ونقل ثابت صريح . قال : واعتذاركم بالمهرمة ، عن فعل المكرمة ، لأمة في تلك الطّباع كامنة ، وسامة للتّلف لا للخلف ضامنة . وذكرتم الثّمرة والبسرة ، والوقت ليس بوقت عسرة ، فأذكرتم قول القائل ، في بعض المسائل : دعنا من تمرتان وبسرتان أو تمرتين وبسرتين ، على الوجهين ، المتوجّهين في المسلتين ، وفي ضمن ذكركم لذلك أدلّة صدق على
هامش
البيان المغرب ( ج 2 ص 60 ) .
الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 76 | لسان الدين ابن الخطيب