تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
الوقار ، المكفولة الذّيل ، أنيسة مشيخة الجماعة ، القاطنة من الحمراء العليّة ، بباب ابن سماعة ، فحين عطفت عليها ، وصرفت زمام راحلتي إليها ، ووقفت بإزاء فنائها ، ولكنها وقوف المشفق من فنائي وفنائها ، وقلت لها : كيف حالك أيتها الجارة ، السّاكنة بنجدة الحجارة ، الواعظة للقريب والبعيد ، بمقامها صامتة على الصّعيد : [ الطويل ]
سقاك من الغرّ الغوادي مطيرها * ولا زلت في خضراء غضّ نظيرها
فما أحقّك من باسقة بالتّرحيب ، وأقربك من رحمات السّميع المجيب ، خلتها اهتزّت عند النّداء اهتزاز السّرور ، وتمايلت أكمامها تمايل الثّمل المسرور ، ثم قالت لسائلها ، بلسان وسائلها ، عند مشاهدة مثلي تقول العرب : عينها فرارها ، وابن جدّها للناظرين اصفرارها ، وجملة بخيّتي ، بعد إتمام تحيّتي ، أنّ الدهر عجم قناتي ، ومسّ الكبر كدّر سنأتي ، وما عسى أن أبثّ من ثكناتي ، وجلّ علاتي من تركيب ذاتي . ولكنّي أجد مع ذلك أنّ وقاري ، حسّن لدى الحيّ احتقاري ، وكثرة قناعتي ، أثمرت إضاعتي ، وكمال قدّي ، أوجب قدّي ، فما أنس م الأشياء ، لا أنس عدوان جعسوس « 1 » ، من لعبوش اليهود أو المجوس ، يفحص بمديته عن وريدي ، ويحرص على مدّ جريدي ، ويجدع كل عام بخنجره أنفي ، وكلّما رمت كفّ إذايته عني ، كشم كفّ ، فلو رأيتم صعصعة أفناني ، وسمعتم عند جدم بناني ، قعقعة جناني ، والدمع لمّا جفاني ، يفيض من أجفاني ، والجعسوس الخبيث المنحوس قد شدّ ما حدّ بأمراسه ، ورفعه لبيعة كفره على رأسه ، بعد الأمر بوضعه على أسنمة القبور ، حسبما ثبت في الحديث المشهور ، لحملتكم يا بني سام وحام ، على الغيرة وشائج الأرحام ، فقد علمتم بنصّ الأثر أني عمّتكم القديمة ، وإن لم أكن لذلك بأهل فإني لكم اليوم خديمة ، أو من ذرّيّة الفريق الموجب المضروب به المثل يوم السّقيفة ، لمن رام من أشراف الأندلس أن يكون إذ ذاك خليفة . وخالة أبي كانت النخلة البرشاء الكبيرة ، التي حادثها الأمير عبد الرحمن بالرّصافة « 2 » القريبة من كورة إلبيرة . فكيف
هامش
( 1 ) قال عنه ابن الخطيب في الكتيبة الكامنة ( ص 146 ) : « القاضي علي بن عبد اللّه بن الحسن البني ، المدعو بجعسوس » . والجعسوس : القصير الذميم ، والجمع جعاسيس . محيط المحيط ( جعس ) . ( 2 ) يشير إلى قول الأمير عبد الرحمن الداخل ، وقد نزل بمنية الرصافة بقرطبة ، فنظر فيها إلى نخلة ، فهاجت شجنه ، وتذكّر وطنه ، فقال على البديهة أبياتا منها [ الطويل ] :تبدّت لنا وسط الرصافة نخلة * تناءت بأرض الغرب عن بلد النّخلفقلت : شبيهي في التغرّب والنّوى * وطول اكتئابي عن بنيّ وعن أهلي