ابن قط ، ومحق . فأما الوزغة ، فهو المحرق في زيت نواله ، المشغول بذلك عما يليق بصاحب النّعمة من النصح وبذل الجهد . والكلب ابن الكلب ، هو الكيّس المتحرّز في تهافته من إحراق وإغراق ، يعطي بعض الحق ، ويأخذ بعضه . وأما الكلب مطلقا ، فهو الواجد والمشرّد للسفهاء عن الباب المعظّم لقليل النّعمة . وأما العار ابن عار ، فهو المتعاطي في تهافته ما فوق الطّوق ، ولهذا امتاز هذا الاسم بالرئاسة عند العامة ، إذا مرّ بهم جلف أو متعاط ، يقولون : هذا العار بن عار ، يحسب نفسه رئيسا ، وذلك بقرب المناسبة ، فهو موضوع لبعض الرئاسة ، كما أن الكلب ابن الكلب لبعض الكياسة .
وأما الملعون ابن الملعون ، فهو الغالط المعاند ، المشارك لربّه ، المنعم عليه في كبريائه وسلطانه . وأمّا القطّ ، فهو الفقير مثلي ، المستغنى عنه ، بكونه لا تخصّ به رتبة ، فتارة في حجر الملك ، وتارة في السّنداس ، وتارة في أعلى المراتب ، وتارة محسن ، وتارة مسيء ، تغفر سيئاته الكثيرة بأدنى حسنة ، إذ هو من الطوافين ، متطير بقتله وإهانته ، تيّاه في بعض الأحيان لعزّة يجدها في نفسه ، من حرمة أبقاها الشارع له ، وكل ذلك لا يخفى . وأما الفراش المحق ، فهو عند الدّول نوعان ، تارة يكون ظاهرا وحظّه مسح المصباح ، وإصلاح فتيله ، وتصفية زيته ، وستر دخانه ، ومسايسة ما أعوز من المطلوب منه . ووجود هذا شديد الملازمة ظاهرا . وأما المحقّ الباطن ، فهو المشار إليه في دولته بالصلاح والزهد والورع ، فتستقبله الخلق لتعظيمه وتركه لما هو بسبيله ، فيكون وسيلة بينهم وبين ربّهم ، وخليفته الذي هو مصباحهم ، فإذا أراد اللّه بهلاك الدولة ، وإطفاء مصباحها تولّى ذلك أهل البطالة والجهالة ، فكان الأمر كما رأيتم ، والكلّ يعمل على شاكلته .
وأفضى به الهوى وتسور حمى السياسة ، والإغياء في ميدان القحة إلى مصرع السوء ، فجلد جلدا عنيفا بين يدي السلطان ، كان سبب وفاته في المطبق ، وذلك في شهر المحرم من عام ثمانية وستين وسبعمائة ، وقانا اللّه المعرّات ، وجنّبنا سبل المضرّات ، وفي كثرة تبجّحه باصطلاح المنطق قيل : [ الطويل ]
لقد كان يحيى منطقيّا مجادلا * تجارى سيل « 1 » الهوى وتهوّرا
غدا مطلق التقوى وراح مكمّما * وأصبح من فوق الجدار مسوّرا
فما نال من معنى اصطلاح أداره * سوى أن بدا في نفسه وتصوّرا
تجاوز اللّه عنّا وعنه .
هامش
( 1 ) في الأصل : « تجارى في سبل » وهكذا ينكسر الوزن ، فاقتضى التصويب .