كله ، مليح الملبس ، مترفّع عن الكدية ، عزيز النفس ، قليل الإطراء ، حسن الحديث ، عذب التّجاوز فيه ، على سنن من السّذاجة والسّلامة والرجولة والحمل ، صاحب شهرة قرعت به أبواب الملوك بالعدوتين . وعلى ذلك فمغضوض منه ، محمول عليه ، لما جبل عليه من رفض الاضطلاع « 1 » ، وترك السّمت ، واطّراح « 2 » التغافل ، وولوعه بالنقد والمخالفة في كل ما يطرق سمعه ، مرشّحا ذلك بالجدل « 3 » المبرم ، ذاهبا أقصى مذاهب القحة ، كثير الفلتات . نالته بسبب هذه البليّة محن كثيرة ، أفلت منها بجريعة الذقن ، ووسم بالوهن « 4 » في دينه ، مع صحة العقل . وكان الآن عامرا للرّباط المنسوب إلى اللّجام ، على رسوم الشياخة ، وعدم التابع ، مهجور الفناء .
مشيخته : زعم أنه حجّ ، ولقي جلّة ، منهم الشيخ أبو الطاهر بن صفوان المالقي ، ولقاؤه إياه وصحبته معروف بالأندلس ، وغير ذلك مما يدّعيه متعدّد الأسماء .
تواليفه : قيّد « 5 » الكثير من الأجزاء ، منها في نسبة الذنب إلى الذاكر جزء نبيل غريب المأخذ ، وفيما « 6 » أشكل من كتاب أبي محمد ابن الشيخ . وصنّف كتابا كبير الحجم في الاعتقاد « 7 » ، جلب فيه كثيرا من الأقوال والحكايات « 8 » ، رأيت عليه بخط شيخنا عبد اللّه « 9 » بن المقري ما يدلّ على استحسانه . وطلب « 10 » مني الكتب عليه بمثل ذلك ، فكتبت له ببعض ورقاته « 11 » ، إثارة لضجره ، واستدعاء لفكاهة انزعاجه ، ما نصّه : وقفت من الكتاب المنسوب لأبي « 12 » زكريا البرغواطي ، على برسام « 13 » محموم ، واختلاط مذموم ، وانتساب زنج في روم ، وكان حقّه أن يتهيّب طريقا لم يسلكها ، ويتجنّب عقيلة « 14 » لم يملكها ، إذ المذكور لم يتلقّ شيئا من علم الأصول ، ولا نظر في الإعراب في فصل من الفصول . إنما
هامش
( 1 ) في النفح : « الاصطلاح » .
( 2 ) في الأصل : « واضطراح » ، والتصويب من النفح .
( 3 ) في الأصل : « بالجد » والتصويب من النفح . والجدل المبرم : المضجر . لسان العرب ( برم ) .
( 4 ) في النفح : « بالرهق » .
( 5 ) النص في نفح الطيب ( ج 8 ص 328 ) .
( 6 ) في النفح : « ومنها فيما » .
( 7 ) في المصدر نفسه : « الاعتقادات » .
( 8 ) في المصدر نفسه : « كثيرا من الحكايات » .
( 9 ) في النفح : « أبي عبد اللّه المقري » .
( 10 ) النص مع الشعر في نفح الطيب ( ج 8 ص 329 - 330 ) .
( 11 ) في النفح : « أوراقه » .
( 12 ) في النفح : « لصاحبنا أبي زكريا . . . » .
( 13 ) البرسام في الأصل التهاب يصيب غشاء الرئة ويسمّى ذات الجنب ، وهو هنا بمعنى الهذيان ؛ لأن من لوازم البرسام أن يهذي صاحبه نتيجة ارتفاع حرارته . لسان العرب ( برسم ) .
( 14 ) في الأصل : « غفلة » ، والتصويب من النفح .