تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
لم ترق مقلتي ولا رقّ قلبي * كحلاها براعة وبيانا « 1 »
من يكن مهديا فمثلك يهدي * لم أجد للثّنا عليك لسانا
وفاته : توفي في الرابع لشعبان من عام « 2 » خمسين وسبعمائة معتبطا في الطاعون ، لم يبلغ الثلاثين .

علي بن محمد بن علي العبدري

سكن غرناطة ، يكنى أبا الحسن ويعرف بالورّاد ، ويشهر أبوه باليربوني . حاله : بقية مسنّي أدباء الأندلس في فن الهزل والمعرب ، والهزل متولي شهرته ، وله القدح المعلّى فيه ، والطريقة المثلى ، ظريف المأخذ ، نبيل الأغراض ، حافظ للعيون ، مال بآخرة إلى النّسك وصحبة الصالحين . ولم يزل بحاله الموصوفة إلى أن استولت عليه الكبرة ، وظرفه يتألّق خلال النسك . وجرى ذكره في « الإكليل الزاهر » بما نصّه : أديب ، نار ذكائه كأنه يتوقّد ، وأريب لا يعترض كلامه ولا ينقد . أمّا الهزل فطريقته المثلى ، التي ركض في ميدانها وجلى ، وطلع في أفقها وتجلّى ، فأصبح علم أعلامها ، وعابر أحلامها . إن أخذ بها في وصف الكاس ، وذكر الورد والآس ، وألمّ بالربيع وفصله ، والحبيب ووصله ، والروض وطيبه ، والغمام وتقطيبه ، شقّ الجيوب طربا ، وعلّ النفوس إربا وضربا . وإن أشفق لاعتلال العشية ، في فرش الربيع الموشية ، ثم تعدّاها إلى وصف الصّبوح ، وأجهز على الرق المجروح ، وأشار إلى نغمات الورق ، يرفلن في الحلل الزّرق ، وقد اشتعلت الليل نار البرق ، وطلعت بنور الصباح في شرفات الشرق ، سلب الحليم وقاره ، وذكر الخليع كأسه وعقاره ، بلسان يتزاحم على مورده الخيال ، ويتدفّق من حافاته الأدب السيال ، وبيان يقيم أود المعاني ، ويشيده صانع اللفظ محكمة المباني ، ويكسو حلل الإحسان جسوم المثالث والمثاني ، إلى نادرة لمثلها يشار ، ومحاضرة يجنى بها الشهد ويسار . وقد أثبتّ من شعره المعرب ، وإن كان لا يتعاطاه إلّا قليلا ، ولا يجاوره إلّا تعليلا ، أبياتا لا تخلو من مسحة جمال على صفحاتها ، وهبّة طيب ينمّ في نفحاتها . فمن ذلك قوله : [ الطويل ]
يذكّرني حسن الكواعب روضة * لها خطر قيد النّواظر مونق
هامش
( 1 ) في النفح : « لم يرق . . . راق قلبي كعلاها براعة . . . » . ( 2 ) في النفح : « عام واحد وخمسين وسبعمائة » .