إلّا أنّه اعتمادا على الواقع الحقيقي والموضوعي لبلدان العالم العربي الإسلامي في عصره ، قد لا يمانع في أن تسطّر حدود لهذه الحريّة السياسية :
« نعم من الواجب على مؤسّس أصول الحريّة السياسية اعتبار حال السكّان ومقدار تقدّمهم في المعارف ليعلم بذلك متى يسوغ إعطاء الحريّة التامّة ومتى لا يسوغ » « 79 » .
ثمّ إنّه يرى وجوب التحرّي في اعطاء الحريّة لجميع رعايا الخلافة العثمانية دون ميز ، إذ يوجد فيها من الأجناس والطوائف من تحدّثه نفسه « بالتفصّي عن سلطة الدولة العثمانية . . . لذلك لا يمكن تأسيس مجلس منتخب من جميع الرعايا الآن . . وأنّ ما ذكرناه لا يرفع عنها ( أي الدولة العثمانية ) وجوب الاجتهاد في قطع تلك العوائق » « 80 » .
وبعد هذه الاحترازات ، يصدع خير الدين برأيه ، ردّا على من يدّعون أنّ بلدان الخلافة العثمانية لم تبلغ بعد سنّ النضج حتّى تتمتّع بالحريّة .
« ثمّ لو سلّم عدم القابلية للتنظيمات وأنّ الأمّة كما يزعمه أولئك القادحون بمثابة الصبيّ غير الرشيد الذي يلزم التقديم عليه فهل ينهض لهم دليل على جواز أن تكون تصرّفات المقدّم خالية من مراعاة مصلحة المقدّم عليه وهل تتيسّر تلك المراعاة بدون احتساب مؤسّس على الشرع ؟ » « 81 » .
ب - الحريّة شرط لازدهار الاقتصاد :
فالحريّة ، شخصية كانت أم سياسية ، مآلها الأمن على الملكية الخاصّة ومتى توفّر الأمن في مجتمع رأسمالي مثلما يدعو إليه خير الدين ازدهر الاقتصاد وكان العمران . فالحريّة هي الشرط الأوّل والأخير لكلّ ازدهار
هامش
( 79 ) المصدر نفسه ، ص 180 .
( 80 ) المصدر نفسه ، ص 170 .
( 81 ) المصدر نفسه ، ص 180 .