الحقيقة دعامة الحكم القهري - الجيش - الذي رتّب له مكتبا حربيّا سنة 1840 ممّا إنجرّ عنه ضياع ثلثي مداخيل الدولة . وبذلك استتبّ له الأمر لتخريب الاقتصاد تخريبا ولإرضاء شهواته في شتّى مذاهب السرف من بناء القصور كقصر المحمّدية واشتراء أسطول بحري ( 6 بواخر ) وتجهيزه واقتناء البضائع الكمالية من أوروبا لتجهيز قصوره وقصور كبراء الدولة إلى جانب اقتناء الخمور والحرير وفاخر اللباس .
والمطالع للباب السادس من الإتحاف لابن أبي الضياف يجد تفصيلا لهذا الاسراف « 9 » .
ولئن كان ابن أبي الضياف يحمّل تبعية هذا الانهيار وهذه الأزمة المالية المشير الأوّل أحمد باي . فإنّا نذهب إلى أنّ الحائك لخيوط هذه المأساة إنّما هو الوزير مصطفى خزنة دار ، الذي أثرى إثراء فاحشا هو وأتباعه من كبراء الدولة بعد حمل البايات على انتهاج سياسة الإسراف .
يظهر ذلك جليّا عند تولّي المشير الثاني محمّد باي ( 1855 - 1859 ) الذي امتاز عهده بإنشاء بدعة جبائية أخرى سنة 1856 ضريبة « المجبى » وقدرها 36 ريالا « 10 » وهي ضرب من الجزية يدفعها كلّ تونسي بلغ سنّ الرشد .
في هذا المحيط المتأزّم تنزّلت قضيّة التنظيمات بتونس في مرحلتها الأولى وهي الإعلان عن عهد الأمان سنة 1857 « 11 » ومرحلتها الثانية هي الإعلان عن الدستور سنة 1861 ولا شكّ أنّ المصلحين التونسيين استبشروا بها وعملوا بقسط وافر على دعمها .
هامش
( 9 ) اتحاف ،VI، 111 - 112 قانياج : أصول الحماية ، ط . 1959 ، ص 177 - 185 .
( 10 ) يساوي الريال آنذاك : 0 ، 6 فرنكا .
( 11 ) وهو يكاد يكون نسخة طبق الأصل لخطّ شريف كلخانة الذي أعلنت عنه الخلافة العثمانية سنة 1839 .