3 ) هيمنة الفرنسيين على هذه التجارة الأوروبية وبالتالي على الاقتصاد التونسي فالتجّار أصبحوا - بحكم الامتيازات التي يرجع أصلها إلى سنة 1605 وبحكم معاهدة 1802 التي تمنح فرنسا حظوة أكبر من غيرها في التجارة مع تونس - منظّمين في نطاق « أمّة فرنسية » يحميها القنصل « 6 » ويشترون من الباي غلّة الزيت المخصّصة للتصدير . نعم احتكر الباي منذ إلغاء القرصنة ، هذه التجارة وأصبح يبيعهم بضعف السعر ما يشتريه من الأهالي مع الملاحظة أنه أسقط عن هؤلاء التجّار أداء التصدير .
ثمّ إنّ الباي لم يقتصر على هذه الأرباح المقدرة ب 100 في المائة بل عمد إلى طريق « السلم » وهي بيع الصابة مسبّقا بأسعار منخفضة معرّضا بنفسه وبالخزينة إلى خطر فادح وهو إرجاع مال التجّار والأجانب ما لم تكن صابة بفائض باهظ جدّا ، وفي حال انعدام الصابة واسترجاع هؤلاء التجّار أموالهم من الباي فإنّهم يعمدون إلى قرض الأهالي بفائض باهظ جدّا فاستفحل أمر الربا في الإيالة .
ولم يكف الباي استخلاص أداء العشر من الزيتون والزيت واحتكار المتاجرة بالصابة مع التّجار الأجانب بل عمد إلى « السلم » مع الفلاحين أنفسهم بأسعار منخفضة جدّا ممّا جعل هؤلاء يتورّطون في الربا مع التجّار الأجانب وفي بيع الصابات الموالية عن طريق « السلم » والمناجزة .
فلمّا كان احتلال الجزائر سنة 1830 عقدت فرنسا معاهدة بينها وبين تونس تقضي بإلغاء احتكار الباي للمتاجرة مع الأجانب وتمكينها من التمتّع بمنزلة « الوطن الأكثر امتيازا » ممّا جعل الفلّاح التونسي يقع في قبضة التجّار الأجانب مباشرة ومن هنا تبدأ الكوارث التي ستتوالى على البلاد إلى سنة 1867 ، سنة ظهور أقوم المسالك « 7 » .
هامش
( 6 ) عيّنت فرنسا أوّل قنصل لها بتونس سنة 1577 ثلاث سنوات بعد الاحتلال التركي ويذكر ابن خلدون أن الحرب الصليبية السادسة في عهد لويس التاسع كان سببها حماية مصالح التجّار الفرنسيين بتونس من القرصنة التونسية .
( 7 ) إتحاف ،VI، 110 ، أنظر أيضا :CHATER ( K . ) , Dependance , et mutations precoloniales .