لكنّنا نعتقد - والوضع ما بينّا - أنها كانت مسرحية حاك خيوطها الوزير الأكبر بالتعاون مع قنصل فرنسا ليون روش « 12 » وقنصل أنكلترا ، ريشاردوود « 13 » وكلاهما يرمي من ورائها إلى توطيد نفوذ بلاده الاقتصادي ، الأوّل بحمل الباي على توخي سياسة استقلالية عن الخلافة العثمانية والثاني بحمل الوزير خزنة دار على الابتعاد عن فرنسا . وآلت التنظيمات في الحقيقة إلى جعل سلطة خزنة دار سلطة مطلقة وظهور الباي بمظهر الملك الذي ليس له من الملك والسيادة إلّا اللقب .
فأمّا عهد الأمان المحتوي على 11 قاعدة فإنه بقواعده التاسعة والعاشرة والحادية عشرة فتح باب البلاد على مصراعيه للهيمنة الاقتصادية الأجنبية :
[ القاعدة ] التاسعة : تسريح المتجر من اختصاص أحد به ، بل يكون مباحا لكلّ أحد ولا تتاجر الدولة بتجارة ولا تمنع غيرها منها وتكون العناية بإعانة عموم المتجر ومنع أسباب تعطيله .
العاشرة : إن الوافدين على إيالتنا لهم أن يحترفوا سائر الصنائع والخدم بشرط أن يتّبعوا القوانين المرتّبة والتي يمكن أن تترتّب ، مثل سائر أهل البلاد ، لا فضل لأحدهم على الآخر بعد انفصالنا مع دولهم في كيفية دخولهم تحت ذلك كما يأتي بيانه .
الحادية عشرة : إن الوافدين على إيالتنا من سائر أتباع الدول لهم أن يشتروا سائر ما يملك من الدور والأجنّة والأراضين مثل سائر أهل البلاد بشرط أن يتّبعوا القوانين المرتّبة والتي تترتّب من غير امتناع ولا فرق في أدنى شيء من
هامش
( 12 )Roches ( Leon ): قنصل فرنسا بتونس من سنة 1855 إلى سنة 1863 واختصّ بالباي وأصبح ألصق به من ظلّه .
( 13 )Wood ( Richard ): قنصل أنكلترا بتونس من سنة 1855 إلى 1879 واختصّ بالوزير خزنة دار الذي كان ينتصح بإشاراته .