الثورة الصناعية منذ منتصف القرن الثامن عشر غنمت أمرين هامّين هما تزايد النسل وتضخّم التجارة . فكان لزاما عليها أن تخلّص السواحل النصرانية للبحر الأبيض المتوسّط من آفة القرصنة لتفتح لتجارتها ولتجّارها حقلا جديدا من النشاط . فكان مؤتمر فينّا
( Vienne )
سنة 1815 الذي ألغى القرصنة واسترقاق النصارى . وهذا فضلا عن زيارة اللورد اكسموث
( Lord Exmouth )
لتونس في عهد محمود باي ( 1814 - 1824 ) في السنة الموالية قصد حمله على الاعتراف بمعاهدة فينّا .
- ومنذ ذلك التاريخ فتح باب تونس على مصراعيه للتجارة الأوروبية واستحوذ التجّار الأجانب على السوق التونسية بتوريدهم البضائع المصنوعة وتصديرهم منتوجات البلاد التونسية من زيت وقموح وصوف وجلد ، وتقاسموا هذه السوق على الصفة التالية :
الفرنسيون يصدّرون إلى مرسيليا ، الايطاليون واليهود يصدّرون إلى قرنة
( Livourne )
واليهود وبعض التونسيين المسلمين يصدّرون إلى المشرق .
وأعان على هذا الغزو التجاري الامتيازات القنصلية الممنوحة فكان الفرنسيون مثلا لا يدفعون للبلاد إلّا 5 في المائة عمّا يستوردونه وما بين 3 في المائة و 8 في المائة عمّا يصدّرونه .
ونتج عن هذا الغزو التجاري ثلاثة أمور ستودي بالبلاد إلى الأزمة وتخرّب اقتصادها وتجعلها في قبضة الاقتصاد الأوروبي .
1 ) مزاحمة التجارة الأوروبية للصنائع التقليدية المحليّة ممّا سينتج عنه اضمحلال هذه الصنائع .
2 ) نزيف العملة التونسية إلى الخارج عن طريق أرباح التجّار الأجانب من جهة ، وعن طريق تهريب الذهب من قبل هؤلاء التجّار من جهة أخرى ، ممّا سيجعل هذه الأرباح توظف لتمويل مشاريع خارج تونس بينما كان من الأولى أن تبقى بالوطن .