التي طال ملكها ودام حديث عدلها إلى الآن ، وشهد لبعض ملوكها بالعدل سيّدنا الصادق - صلّى اللّه عليه وسلّم - ومثل ما كان لأمّة الرومان التي استولت على غالب جهات المعمور ، حتّى كان يقال لها في ذلك الوقت :
« كرسي ممالك الأرض » . ومثل ما كان لأمّة اليونان التي لمّا استولى العدوّ على بعض بلدانهم ولزمهم الخروج منها سألوا حكيما لهم : « أين تصلح السكنى ؟ » فقال لهم : « في بلد تكون الشريعة فيه أقوى من السلطان » .
إلى غير ذلك من الأمم التي ما بلغت غاية الاستقامة إلّا باحترام قوانين أحكامها المؤسّسة على العدل السياسي . كما أن عدم احترامها كان منشأ رجوعهم القهقري .
ولا يتوهّم أنّ ذلك بسبب بركة في شرائع الأمم المذكورة ، إذ الواقع أنّها قوانين عقلية مبنيّة على مراعاة الوازع الدنيوي .
فإذا انضمّ إلى ذلك وجود البركة والحرمة الإلهية كما هو حال شريعتنا المطهّرة ، كانت [ 87 ] المخالفة مع ما تستعقبه من النكال الأخروي أجلب للانحطاط الدنيوي . ومن تتّبع تواريخ الأمم المشار إليها وتواريخ الأمّة الإسلامية رأى ذلك عيانا .
74 - الدكتاتورية بأوروبا :
هذا وإن الضرورة قد تدعو إلى تفويض إدارة المملكة لشخص واحد مستبدّ لكن لغاية محدودة ، وبشروط عندهم معهودة .
وذلك أنّ من أصول السياسة المأثورة عن الأمّة الرومانية أنّ المملكة إذا اشتدّ الخطر عليها ، إمّا بكثرة الإفساد الداخلي ، أو بظهور مخائل التغلّب عليها من الخارجي . وصعب حسم موادّ ذلك بالأعمال القانونية ، لمكان تعدّد الأنظار المتساوية ، وما عسى يقتضي الترجيح بينها من طول المفاوضة