ومن آثار المسؤولية المذكورة أنّ أمور الإدارة المتقدّم أنّها من حقوق صاحب الدولة ، ويتوقّف إنجازها على إجازة الوزراء ، وحيث لا يبرم أمرا منها حتّى يستشيرهم ، وإنّهم لا يمكنهم البقاء في الخدمة إلّا إذا كان غالب أعضاء مجلس الوكلاء موافقا في سياستهم ، فعلم أن المجلسين المذكورين لا يتداخلان في تفاصيل الإدارة ، وإنّما دأبهما وضع القوانين وحفظهما بالاحتساب على الدولة . ومن أعمالهما عند الاجتماع النظر وإعطاء الرأي فيما يعرض على كلّ منهما من النوازل المهمّة الداخليّة والخارجيّة ، وسؤال الوزراء عمّا يظهر لهما متى شاءا ، والقدح في سيرتهم خصوصا مجلس الوكلاء . وعلى الوزراء الجواب عن جميع ذلك ، وتقع المجادلة بالمجلس علنا بين القادح والمدافع ، ليتّضح الحال ويظهر المصيب من المخطئ ، فإذا اتّفق غالب مجلس الوكلاء على تصويب سياسة الوزراء ، بعد التأمّل في أدلّة القادح والمدافع ، تيسّر للوزراء البقاء في الخدمة ، وتحصل [ 84 ] حينئذ فائدة الدولة والمملكة .
أمّا الدولة فبكون المجلس لا يتوقّف بعد ذلك في أن يسوّغ لها أخذ ما تقتضيه المصلحة من المال والرّجال ، لأنّ من وافق على المصلحة وعلى حسن سيرة مباشرها لا يمتنع من إعطاء ما يلزم لإنجازها .
وأمّا فائدة المملكة فبثبوت سيرة المباشرين لمصالحها فيهون عليها صرف أموالها ودماء أبنائها حيث كانت فيما يعود بالنفع عليها .
وبمثل هذا يستقيم حال الدولة والمملكة ولو كان الملك أسير الشهوات أو ضعيف الرأي كما تقدّم .
وأمّا إذا اتّفق غالب المجلس على عدم استحسان سياسة الوزراء فيجب على الملك عند ذلك أحد أمرين : إمّا تبديل الوزراء المشار إليهم ، أو حلّ مجلس الوكلاء ، على أن يعيد الأهالي الانتخاب في مدّة معلومة ، فإذا انتخبوا من يكون أشهر باللّين والمساعدة للدولة دلّ ذلك على رضاهم بسياستها ،
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 202
مساهمون: خير الدين التونسي
ص٢٠٢