يلزم لإنجازها كما تقدّم ، ومنها أن المفسد لا يجد مساغا للقدح في تصرّفات الدولة بقصد التنفير منها ، وتغيير القلوب عليها . ومنها أن الوالي المستبدّ ولو كان عادلا لا يمكنه الاطّلاع على أحوال مملكته إلّا بواسطة الوزراء وغيرهم من المتوظّفين ، الذين أثبتت التجارب أن أكثرهم لا يعرفون الولاة إلّا بما تقتضيه فوائدهم ، فيتوصّلون بالنصائح العمومية إلى أغراضهم الشخصية خصوصا من يشير منهم على الملوك بالاستبداد ، لما له في ذلك من المعونة على حصول استبداده هو أيضا في مأموريّته .
على أنّه يمكن لنا أن نقول إنّ المأمورين في دولة الاستبداد ، كلّ واحد منهم مستبدّ على قدر حال مأموريته ، فلهذه الفوائد ونحوها تجشّم الملوك والوزراء ما في التقييد في مبدأ الأمر من المرارة ، نظرا لما يستعقبه من لذّة السطوة والحضارة .
وقد صحّ حدسهم في ذلك بما لم نزل نشاهده [ 86 ] من تقدّمهم في العلوم والصناعات ، واستخراج كنوز الأرض بالزراعة ، والبحث عن المعادن ، وحصولهم من أمثال هذه المذكورات الناتجة من اتّحاد الراعي والرّعيّة ، على ما قوّى حاميتهم في البرّ والبحر ، حتى هابتهم الأمم واستولوا على ممالك كثيرة خارجة عن قسم أوروبا ، ونالوا من نفوذ الكلمة في غير ممالكهم ما هو مشاهد ، وصاروا في التصرّفات الدنيوية قدوة لغيرهم . وما ذاك إلّا بإجراء القوانين السياسية ، التي مدارها على ما تقتضيه الحريّة المشروحة سابقا ، من حفظ حقوق الإنسان في نفسه وعرضه وماله ، والاتّحاد في جلب المصالح ودرء المفاسد ، بمراعاة العادات والأمكنة والأزمنة التي تعتبر شريعتنا اختلاف أحكامها اعتبارا كليّا .
ولتلك القوانين في الممالك الأوروباوية من الاحترام واستمرار النفوذ برعاية أهل الحلّ والعقد ، ما يحمى حقوق الرعيّة وحرّيتها ، ويؤمّن الضعيف من بطش القويّ ، ويدفع عن المظلوم سلطة الظالم ، مثل ما كان لأمّة الفرس
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 204
مساهمون: خير الدين التونسي
ص٢٠٤