فيبقى الوزراء على خططهم ، وأمّا إذا انتخبوا الأوّلين أو من يكون مثلهم في الشدّة ، فيستدلّ بذلك على عدم رضاهم بها ، ويجب حينئذ خروج الوزراء من الخدمة وتعويضهم بمن سياسته ترضي المجلس . وللمجلس المذكور أن يدّعي الخيانة على أحد الوزراء أو مجموعهم إذا رأى أدلّة ذلك ، وتكون نازلة تفصل بالمجلس الأعلى . وظاهر أن الوزراء المشار إليهم كما تشدّد عليهم القوانين المسؤولية عن تصرّفاتهم تمنع التعدّي عليهم في النفس والعرض والمال ، فيتيسّر للنجيب الأمين منهم إجراء الأمور على مواقع المصلحة ، والفوز بما يستعقبه ذلك من جميل الثناء . ولمن اتّصف بالأمانة دون النجابة الخروج بالسّلامة لا له ولا عليه .
وبما تقدّم يعلم أنّ سلطة المجلسين تتّحد تارة وتفترق أخرى ، إذ لكلّ منهما أعمال تخصّه وأعمال يشارك فيها الآخر ، غير أنّ المعتبر في تأسيس القوانين سيّما المتعلّقة بالمجابي ، والقوّة العسكريّة ، وفي الاحتساب على الدولة ، واستحسان سياسية الوزراء [ 85 ] وضدّه اللذين ينبني عليهما خروجهم أو بقاؤهم في الخطّة ، هو ما يتّفق عليه غالب مجلس الوكلاء حسبما أشير إليه قريبا . كما أنّ إجراء القوانين المذكورة يتوقّف على موافقة المجلس الأعلى على كونها غير مخالفة لأصول الكونستيتوسيون .
قلت فبتقرير ما ذكر يعلم أيضا أن صاحب الدولة عندهم مضطرّ إلى موافقة إرادة المجلس ، التي هي في الحقيقة إرادة أهل المملكة ، ولا يخفى ما يتبادر فيه من التشديدات التي تأباها نفوس غير المنصفين من الأمراء والوزراء ، لكن من بخت الأمم الأوروباوية ، ونجاح مساعيها الدنيوية ، أن عرف ملوكها ووزراؤها ما ينشأ عن ذلك من الفوائد الجمّة التي منها كفّ أيدي المأمورين عن التعدّي على الرعيّة ، ومنها سهولة اعتبار المكاسب في توزيع الأداء على الأهالي بحيث لا ينقص من رؤوس أموالهم ، إذ لا يتمّ مع ذلك نموّ العمران .
ومنها أن الرعايا إذا وافق وكلاؤها على أصل المصلحة فإنّها لا تشحّ بإعطاء ما
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 203
مساهمون: خير الدين التونسي
ص٢٠٣