وأنت إذا أحطت خبرا بما قرّرناه علمت أن مخالطة العلماء لرجال السياسة بقصد التعاضد على المقصد المذكور ، من أهمّ الواجبات شرعا لعموم المصلحة ، وشدّة مدخلية « 118 » الخلطة المذكورة في اطلاع العلماء على الحوادث ، الذي تتوقّف إدارة الشريعة على معرفتها .
ومعلوم أنّ ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب .
وبيان ذلك أنّ إدارة أحكام الشريعة ، كما تتوقّف على العلم بالنصوص ، تتوقّف على معرفة الأحوال التي تعتبر في تنزيل تلك النصوص ، فالعالم إذا اختار العزلة والبعد عن أرباب السياسة فقد سدّ عن نفسه أبواب معرفة الأحوال المشار إليها . وفتح أبواب الجور للولاة ، لأنّهم إذا استعانوا به فامتنع صاروا يتصرّفون بلا قيد .
نعم يعاب على العالم شرعا وعقلا التكلّف في الدين ، والتحمّل في النصوص الظاهرة في خلاف ما أراد منها ، وارتكاب الأقوال الضعيفة ليوافق الأهوية والأغراض ، لا لأجل مصالح تتنزّل منزلة الحاجة والضرورة ، حتّى ينقلب ذلك الضعيف قويّا .
وحيث كانت إدارة المصالح السياسية ممّا لا يتيسّر لغالب الولاة إجراؤها على الأصول الشرعية لأسباب شتّى يطول شرحها ، وتقدّمت الأدلّة على ما يترتّب على ابقاء تصرّفاتهم بلا قيد من المضارّ الفادحة ، رأينا أن العلماء الهداة جديرون بالتبصّر في سياسة أوطانهم ، واعتبار الخلل الواقع في أحوالها الداخلية والخارجية ، وإعانة أرباب السياسة بترتيب تنظيمات منسوجة على منوال الشريعة ، معتبرين فيها من المصالح أحقّها ومن المضارّ اللازمة أخفّها ، ملاحظين [ 42 ] فيما يبنونه على الأصول الشرعية ، أو يلحقونه بفروعها المرعية ، ذلك المقال الوجيز ، المنسوب لعمر ابن عبد العزيز : « تحدث للنّاس أقضية
هامش
( 118 ) مدخلية : استعمال عامي تونس لتداخل أو دخول .