أما بعد : فإن العلوم بأسرها تلبس ثياب العظمة والجلالة ، وتفك خواطر ذوى التوفيق من قيود البطالة ، وكلما زاد الناظر إمعانا في حسن ثمارها الجنيه ازداد كمالا ، وكلما خاض لجة « 1 » بحرها العذب ورد منهلا زلالا ، إلا أنها كالبيت فلا يدخل إلا من بابه ، فلا يصعد درجاته الرفيعة من عرض عن الجسر « 2 » بين يدي المشايخ واعتمد على كتابه « * » ، فحقيق على من سلك الصراط المستقيم بنشر راية الحمد ، وجدير من أحسن السباحة بإنالة المد « 3 » ، وقد كنت منذ أزمان رهين « 4 » غضين « 5 » الشباب ، وأطيرن « 6 » بدر الفراغ من خلل السحاب ؛ متطلعا إلى رقىّ مراتبها العلية ، ملتفتا إلى تحصيلها على الأنماط الحسنة البهية ، لا أنسين زمنا لدى مهذبا « 7 » وظلال عيش كان عندي سجسج « 8 » ، في نعمة لوصنتها « 9 » وأقمت في أفيائها « 10 » فكأننى في مسيح ، فسلكت في الطلب الطريق الأقوم ، وصنت السمع عن الإصغاء للعذّال واللوّم ، فبدأت بما هو الأقدم ؛ فشرعت في العلوم الشرعية
هامش
- التنزيل العزيز : « فنبذناه بالعراء وهو سقيم » . ونابذه الحرب : جاهر بها . وفلانا :
فارقه عن خلاف وبغض .
( 1 ) لجة : اللجة معظم البحر وتردد أمواجه ، ويقال : فلان لجة واسعة : شبيه بالبحر ، ولجة الأمر معظمه ، والجمع : لج ، ولجج ، ولجاج .
( 2 ) الجسر : جسر جسورا وجسارة : شجع وجرؤ ، ومضى ونفذ .
( * ) نشير إلى ما يوحى به السياق هنا إلى أهمية الشفاهة كسمة من سمات الثقافة العربية ، والإيمان بها كواحدة من أهم وسائل التعلم .
( 3 ) المد : المدّ : السيل ، وكثرة الماء ، وارتفاع ماء البحر على الشاطئ .
( 4 ) غير واضحة في ( أ ) .
( 5 ) غضين : غضنت الناقة بولدها غضنا وغضانا : ألقته لغير تمام قبل أن ينبت شعرها ويستبين خلقه ، فهو غضين ، وغضن فلانا : حبسه . يقال : ما غضنك عناه : أي ما عاقك وحبسك عنا ؟
( 6 ) سقطت من ( ج ) .
( 7 ) غير واضحة في ( أ ) .
( 8 ) سجسج : يقال يوم سجسج : أي لا جر فيه ولا برد ، وهواء سجسج : معتدل طيب ، وأرض سجسج : ليست بسهلة ولا صلبة ، والجمع : سجاسج .
( 9 ) سقطت من ( ج ) .
( 10 ) أفيائها : جمع فيئ : وهو الظل بعد الزوال ينبسط شرقا ، وهو أيضا : الغنيمة تنال للإفتاك .