التواريخ ؛ وكلّ ما يتعلّق معرفته ببدء الخلق وأحوال القرون السالفة ، فهو مختلط بتزويرات وأساطير لبعد العهد به ، وامتداد الزمان بيننا وبينه ، وعجز المعتنى به عن حفظه وضبطه . وقد قال - تعالى - :
أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
. . . ،
لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ
« 1 » . فالأولى أن لا يقبل من قولهم في مثله ، الّا ما يشهد به كتاب معتمد على صحّته ، أو خبر مشفوع به « 2 » بشرائط الثقة في الظّن الأغلب .
3
فإذا نظرنا في هذا التأريخ أوّلا ، وجدنا فيه بين هؤلاء الأمم اختلافا غير يسير ( 20 ) . وهو أنّ الفرس والمجوس ، زعموا أنّ عمر العالم اثنتا عشرة ألف سنة ، على عدد البروج والشهور ( 21 ) ؛ وأنّ زرادشت ، صاحب شريعتهم ، زعم أن الماضي منها إلى وقت ظهوره ، ثلاثة آلاف سنة مكبوسة بالأرباع ، إذ كان تولّى حسابها ونقصان ما كان لزمها من جهة الأرباع ، حتى انكبست وصحّت ؛ وبين ظهوره وأوّل تأريخ الإسكندر « 3 » ، مائتان وثمان وخمسون سنة .
فيكون الماضي من أوّل العالم إلى الإسكندر ، ثلاثة آلاف ومائتين وثمانيا وخمسين سنه ؛ ولكنّا إذا حسبنا من أوّل كيومرث ، وهو عندهم الانسان الاوّل ، وجمعنا مدّة كل ملك بعده ، فإنّ الملك متّسق فيهم غير منقطع عنهم ، بلغ المجتمع من تلك المدد « 4 » إلى الإسكندر ، ثلاثة آلاف وثلاثمائة وأربعة وخمسين ، فليس يتّفق التفصيل مع الجملة .
4
واختلف الفرس والروم ، مع ذلك فيما بعد الإسكندر ؛ وذلك أنّ ما بينه وبين أوّل ملك يزدجرد ، تسع مائة واثنتان وأربعون سنة ، ومائتان وسبعة وخمسون « 5 » يوما . فإذا نقصنا من ذلك ملك بنى ساسان إلى أوّل ملك يزدجرد ، على قولهم ، وهي اربع مائة وخمس عشرة سنة بالتقريب ، بقي خمس مائة وثمان وعشرون سنة ؛ وهي ما ملك الإسكندر وملوك الطوائف . فإذا جمعنا مدّة كلّ واحد من الأشكانية ، على ما أثبتوه ، بلغ مائتين وثمانين سنة ، ومع اختلافهم فيما لا يجاوز ثلاثمائة سنة ؛ وسأصلح هذا الخلاف بعض إصلاح فيما بعد . وطائفة من الفرس زعمت : أنّ الثلاثة آلاف سنة « 6 » الماضية المذكورة ، إنّما هي من لدن خلق كيومرث ، فإنّه مضى قبله مدة ستّة آلاف سنة ؛
هامش
( 1 ) . قرآن : 9 / 71 و 14 / 10 .
( 2 ) . تز : مشفوع له .
( 3 ) .Alexander the Great ( 336 - 323 B . C . )( 4 ) . داد / طز : ذلك العدد .
( 5 ) . عس / توپ : خمسة وسبعين .
( 6 ) . داد / طز : - .