فعله الطبيعىّ ، إلّا مشاركة القسرىّ الصناعىّ ، وهو الهواء ؛ وذلك كثيرا ما عمل في الأنهار - الّتى توسّطها جبال - لم يكن قطعها .
62
ومثاله ، الآلة الّتى تسمّى سارقة الماء ؛ فانّك إذا ملأتها ماءً ، ووضعت كلا طرفيها في آنيتين ، سطح ما فيهما من الماء ، سطح واحد . فانّ الّذى فيها من الماء ، يقف ولو دهرا ، لا ينصبّ إلى احدى الآنيتين ، لأنّها ليست بأولى من الأخرى ، ولا يمكن أن يتكافأ الانصباب إلى الآنيتين كليهما ، لأنّ الآلة تخلوا حينئذ ؛ والخلاء ، إمّا غير موجود - كما عليه بعض الفلاسفة ( 376 ) وإمّا موجود ، ممسك للأجسام - كما عليه بعضهم . فإذا كان ممتنع الوجود ، لم يوجد ، وإذا كان ممسكا للأجسام ، أمسك الماء ، ولم يتركه يسيل ، إلّا بعد أن يبادله جسم آخر ؛ ثمّ إذا صيّر أحد طرفيها في موضع أسفل قليلا ، سال اليه ما في الآنية ؛ وذلك انّه لمّا سفل ، صار أقرب إلى المركز ، فسال اليه ؛ ثمّ اتّصل السّيلان بتجاذب أجزاء الماء ، واتّصالها إلى أن يفنى ما في الآنية المجذوب ماؤها ، أو يوازى سطح ماء المسيل إليها ، سطح الماء المجذوب ، فتؤول المسألة إلى الحالة الأولى .
63
وعلى هذا المثال ، عمل في الجبال ، بلى قد يصعد الماء في الفوّارات من الآبار ، بعد أن يوجد فيها مياه فوّارة ؛ فإنّ من مياه الآبار ، ما يجتمع بالرّشح من الجوانب ، فذلك لا يصعد ، ويكون مأخذها من المياه القريبة إليها ؛ وسطوح ما يجتمع منها ، موازية لتلك المياه - الّتى - هي مادّتها ، ومنها ما يفور في القعر ، فذاك هو المرجوّ الممكن ، أن يفور إلى الأرض ، ويجرى على وجهها ؛ وأكثر ما يوجد هذا ، في الأرضين القريبة من جبال ، بحيث لا يتوسّطها بحيرات ، ولا أنهار مياه عميقة « 1 » ؛ فإذا كان مأخذه من خزانة أعلى من سطح الأرض ، صعد الماء بالفوران إذا حصر ، وإن كانت خزانته أسفل ، لم يتمّ ارتفاعه إليها ، ولم ينجح ؛ وربّما كانت الخزانة أعلى بألوف أذرع في جبال ، فيمكن أن يصعد إلى القلاع ورؤوس المنارات مثلا . وقد سمعت ان باليمن ، ربّما حفروا فبلغوا صخرة ، يعرفون أنّ تحتها ماء ؛ فينقرونها نقرة ، يعرفون بتصوّتها مقدار الماء ؛ ثمّ يثقبونها ثقبة صغيرة ، ويرونها فإن كانت سليمة ، فوّروها إلى حيث فارت ؛ وإذا خافوها ، عجّلوا إلحامها بالجصّ والكلس ، وكبس الموضع عودا على بدء ؛ فان منها ، ربّما يخشى شبه سيل العرم .
هامش
( 1 ) . عس / توپ : عتيقة .