60
فأمّا لم صارت مياه العيون في الشتاء ، اغزر ؟ فلانّ الغرض ، في إحداث الجبال للمتقن الحكيم - عزّ وجلّ - ، منافع منها ، ما ذكره ثابت بن قرّة ( 104 ) في كتابه ، في السبب الّذى له خلقت الجبال ؛ وهذا السبب ، هو الذي يتمّم الغرض ، في تصيير مياه البحور مالحة ؛ ومن البيّن ، أنّ وقوع الأنداء في الشتاء ، أكثر منه في الصيف ، وفي الجبال أكثر منه في السّهل ؛ فإذا وقعت فيها ، وسال ما سال بالسّيول ، غاض الباقي في المجارى - الّتى - في تجاويف الجبال ، وخزن هناك ؛ ثمّ يأخذ في الخروج ، عن المنافذ الّتى تسمّى العيون ؛ فلذلك صارت في الشتاء أغزر ، لأنّ مادّتها أكثر ؛ فان كانت تلك التجاويف « 1 » طيّبة نقيّة ، خرجت المياه - كما هي - عذبة ، وإن لم يكن كذلك ، اكتسبت فيها صنوف الكيفيّات ، وتلبّست بصنوف الخواصّ ، الّتى تخفى علينا عللها .
61
وامّا فوران العيون ، وصعود المياه إلى فوق ، فذلك لأجل أنّ خزانتها أعلى منها ، كالفوّارات المعمولة ؛ فإنّ الماء ، لا يصعد علوّا إلّا لذلك ؛ وكثير من الناس ، ممّن يعير علم اللّه ، ما جهلوه « 2 » من علم الطبيعيّات ، نازعونى في هذا المعنى ؛ واستشهدوا بمعاينتهم ، صعود الماء في أنهار ومجارى مياه ، كلّما تباعدت مع جرى الماء ، تصاعدت ؛ ولم يكن ذلك ، إلّا لجهلهم الأسباب الطبيعيّة ، وقلّة تمييزهم بين الاعلى والأسفل ؛ وذلك أنّهم رأوا المياه الجارية ، وسط الأودية في الجبال ، وهي تتسافل في مقدار ميل من الأرض ، خمسين ذراعا إلى مائة وأكثر ؛ وإذا حفر الزّرّاع من موضع منه جدولا ، وجعل يمايله شيئا يسيرا ، لم يجر فيه الماء إلّا قليلا ، حتّى يعلو على مياه الوادي علوّا مفرطا . فإذا اعتقد من لا رياضة له : أنّ مجرى الوادي على استقامة أو بميل قليل ، يخيّل اليه ضرورة ، أنّ الجدول يصعد علوّا ؛ ولا يمكن إزالة هذا الشكّ عن قلوبهم ، الّا بعد أن يتمهّروا بالآلات - الّتى - بها توزن الأرضون ، وتسوّى وتحفر الأنهار وتكرى ؛ فانّهم إذا وزنوا الأرض الّتى بها تجرى تلك المياه ، تبيّن لهم خلاف ما اعتقدوه ، أو بعد أن يزاولوا العلوم الطبيعيّة ، ويعرفوا حركة الماء إلى المركز وإلى الموضع الأقرب منه ، لا جرم أنّ الماء يصعد إلى حيث أريد ، ولو إلى قلل أعلى الجبال ، بعد أن يوجد النزول إلى أسفل من مصعده ، ويمنع منه ما يبادله المكان ، إذا اخلاه « 3 » ، فلا يعينه على
هامش
( 1 ) . عس / توپ : البحار ( ؟ ) .
( 2 ) . هن : نعز على علم اللّه فاجهلوه .
( 3 ) . عس / توپ : اخذه .