النور والظلمة ، فيفنى الأرواح في الأجساد ، ولذلك سمّته الفرس « ميركان » . وقال أصحاب النيرنجات : من طعم يوم المهرجان شيئا من الرمّان ، وشمّ ماء الورد ، دفع عنه آفات كثيرة .
40
وامّا أصحاب التأويلات من الفرس ، فقد استخرجوا الأمثال من هذه الأيّام تأويلات ، فجعلوا المهرجان دليلا على القيامة ، وآخر العالم ، لتناهى النّامى فيه إلى غايته ، وانقطاع موادّ النموّ عنه ، ولتوقّف الحيوان عن التناسل ؛ كما جعلوا « النوروز » دليلا لابتداء العالم ، لكون أضداد هذه الحالات فيه ؛ وقد فضّل المهرجان قوم على النوروز ، بمثل ما فضّلوا الخريف على الربيع ، ومعوّلهم في الاحتجاج لذلك ، على جواب ارسطوطالس للاسكندر حين سأله عنهما ، فقال : أيّها الملك ، في الربيع ابتداء نشوء الهوامّ ، وفي الخريف ابتداء ذهابها ، فالخريف من هذه الجهة أفضل . وكان هذا اليوم فيما مضى ، يوافق أوّل الشّتاء ، ثمّ تقدّم عند إهمال الكبس ، فجرى الرّسم لملوك خراسان فيه في زماننا ، أن يجعلوا على الأساورة كسوة الخريف والشتاء .
41
واليوم الحادي والعشرون [ منه ] وهو « رام روز » ، هو المهرجان العظيم ؛ وسببه : ظفر افريدون بالضحّاك ، وأسره إيّاه . قالوا : ولمّا أتى به ، وقدّم اليه ، قال الضحّاك : لا تقتلني بجدّك ؛ فأجابه افريدون منكرا لقوله : أو طمعت في أن تكون كفؤا لجم بن ويجهان في القود ؟ كلّا ! بل أقتلك بثور ، كان في دار جدّى . ثم أوثقه ، وحبسه في جبل دنباوند فتخلّص الناس من شرّه ، وعيّدوه ؛ وأمرهم افريدون بشدّ الكساتيج ( 317 ) ، في أوساطهم ، واستعمال الزّمزمة ، والكفّ عن الكلام عند الطعام ، شكرا للّه بما أفادهم من الأمن « 1 » في تصرّفهم ، ووقت أكلهم وشربهم ، بعد أن كانوا خائفين ألف سنة ؛ وبقي ذلك الأمر ، سنّة فيه وعادة . وكلّ الفرس ، مجمعون على أنّ : بيوراسف عاش ألف سنة ، وإن كان قال بعضهم أيضا أنّه عاش أكثر ؛ وإنّما الألف سنة ، مدّة تملّكه وتغلّبه ؛ وقد قيل : أنّ دعاء الفرس بعضهم لبعض ، بتعمير ألف سنة - اعني - قولهم : « هزار سال بزى » ، إنّما هو من حينئذ لجوازه لديهم ، من جهة ما شاهدوه من الضحّاك ، وإمكان ذلك عندهم ، واللّه اعلم .
42
وقد أمر زرادشت : أن يكون سبيل المهرجان و « رام روز » واحدا في التعظيم ، فعيّدوهما معا حتّى وصل بينهما هرمز بن شابور البطل ، وعيّد ما بينهما من الايّام ؛ كما فعل في الوصل بين النوروزين ؛ ثمّ جعل الملوك وأهل ايرانشهر ، من لدن المهرجان إلى تمام ثلاثين يوما ، أعيادا بين طبقات الناس ، على مثال ما تقدّم ذكره في النوروز ، ولكلّ طبقة خمسة ايّام .
هامش
( 1 ) . داد / طز : الامر .