فيه نقض نحلتهم ، فحشاه بالكذب والأباطيل ، أنّهم يقولون : أنّ إبراهيم - عليه السّلام - انّما خرج عن جملتهم ؛ لانّه ظهر في قلفته برص ، وأنّ من كان به ذلك ، فهو نجس لا يخالطونه ، فقطع قلفته بذلك السبب - يعنى - اختتن ؛ ودخل إلى بيت من بيوت الأصنام ، فسمع صوتا من الصنم يقول له :
يا إبراهيم ! خرجت من عندنا بعيب واحد ، وجئتنا بعيبين ، اخرج ولا تعاود المجيء الينا ؛ فحمله الغيظ على أن جعلها جذاذا ، وخرج من جملتهم . ثمّ إنّه ندم بعد ما فعله ، وأراد ذبح ابنه لكوكب المشترى ، على عادتهم في ذبح أولادهم زعم ، فلمّا علم كوكب المشترى صدق توبته ، فداه بكبش .
3
وكذلك حكى عبد المسيح بن إسحاق الكندىّ النصرانىّ عنهم ، في جوابه عن كتاب عبد اللّه بن إسماعيل الهاشمىّ ( 259 ) : أنّهم يعرفون بذبح الناس ، ولكنّ ذلك لا يمكنهم اليوم جهرا . ونحن لا نعلم منهم ، الّا انّهم أناس ، يوحّدون اللّه ، وينزّهونه عن القبائح ، ويصفونه بالسّلب ، لا الإيجاب ؛ كقولهم : لا يجدّ ولا يرى ولا يظلم ولا يجور ، ويسمّونه بالأسماء الحسنى مجازا ، إذ ليس عندهم صفة بالحقيقة ؛ وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه ، ويقولون بحياتها ونطقها وسمعها وبصرها ، ويعظّمون الأنوار . ومن آثارهم القبّة التي فوق المحراب ، عند المقصورة في جامع دمشق ، وكان مصلّاهم أيّام كان اليونانيّون والروم على دينهم ؛ ثمّ صارت في أيدي اليهود ، فعملوها كنيستهم ؛ ثمّ تغلّب عليها النصارى ، فصيّروها بيعة ، إلى أن جاء الإسلام ، وأهله فاتّخذوها مسجدا .
4
وكانت لهم هياكل وأصنام ، بأسماء الكواكب « 1 » معلومة الأشكال ؛ كما ذكرها أبو معشر البلخىّ في كتاب بيوت العبادات ، مثل : هيكل بعلبكّ كان لصنم الشمس ، وحرّان فانّها منسوبة إلى القمر ، وبناؤها على صورته كالطيلسان ( 260 ) ، وبقربها قرية تسمّى « سلمسين » ، واسمها القديم صنم « سين » ، اى : صنم القمر ؛ وقرية أخرى تسمّى « ترع عوز » ، اى باب الزهرة ؛ ويذكرون أنّ الكعبة وأصنامها كانت لهم ، وعبدتها كانوا من جملتهم ، وأنّ « اللّات » كان باسم زحل ، و « العزّى » باسم الزّهرة ؛ ولهم أنبياء كثيرة ، أكثرهم فلاسفة يونان كهرمس المصرىّ واغاذيمون وواليس وفيثاغورس وبابا ( 478 ) وسوار جدّ أفلاطون من جهة أمّه ، وأمثالهم . ومنهم من حرّم عليه السّمك ، خوفا أن يكون رعّادة والفراخ ، لأنّه ابدا محموم ؛ والثّوم ، لانّه مصدّع محرق للدم ، أو المنى الذي منه قوام العالم ؛ والباقلاء ، فانّه يغلّظ الذّهن ويفسده ، وإنّه في أوّل الأمر ، إنّما نبت في جمجمة انسان .
هامش
( 1 ) . داد / طز : الشمس .