فيجعل المجوس قسما غير الثنوية والمعلوم أنهم قسم واحد فالثنوية القائلون بالنور والظلمة وإله للخير وإله للشر هم أيضا المجوس عبدة النار التي يجعلونها ستارا وعلامة لإلهم إله الخير في زعمهم ولكن الجيلي الملحد يجعل هؤلاء أيضا عبدة النيران من أهل الحق والتوحيد وأن عبادتهم للنار حق أقوى العناصر وأرفعها ويقول والنار حقيقتها ذات اللّه تعالى . ويمدح الجيلي المجوس فيقول :
" فلما انتشقت مشام أرواح المجوس لعطر هذا المسك زكمت عن شمه سواه فعبدوا النار وما عبدوا إلا الواحد القهار " ( ص 126 ) .
فأي تصريح عن عقائد القوم أبلغ من هذا . .
ثم يقول : " وأما الدهرية ( أي الاسم ) فإنهم عبدوه من حيث الهوية ( الدهرية : هم القائلون بأنه لا إله والحياة مادة فما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع واسمهم هذا مأخوذ من قوله تعالى
وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
الجاثية : 24
فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر ) "
قلت : هذا إبليس والزنادقة لم يصل إلى هذا الحد في الكفر فالمقصود بقول رسول اللّه ( إن اللّه هو الدهر ) هو أنه سبحانه وتعالى مقدر المقادير ؛ فسب الأيام سب للّه لأنه هو مقدر المقادير سبحانه وتعالى والزمان لا دخل له في ذلك . فنهانا الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن سب الزمان لأن هذا من ثم يتوجه إلى اللّه سبحانه وتعالى . وليس مقصود الرسول حتما أن اللّه هو الزمان لأن اللّه جل وعلا هو خالق الزمان والمكان والخالق غير المخلوق . وأما الدهرية فإنهم لا يؤمنون بإله أصلا والجيلي يجعل هؤلاء الملاحدة عبادا للّه . . .