أمرهم إلى السعادة الأبدية . ويستدل لهذا الكفر الشنيع أيضا بالقرآن فيقول :
" والدليل من القرآن أن اللّه قال في الأحزاب المختلفين :
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
فيقول :
" إن فرحهم هذا في الدنيا والآخرة ، فكل حزب يفرح بما عنده في الدنيا ، ويفرح به أيضا في الآخرة عندما يطلع الجميع أنه لا ثمة إلا اللّه وأنهم جميعا مظاهر للذات الإلهية ، وليسوا شيئا خارجا عنها " .
ويستطرد الجيلي في شرح كفره وفجوره فيقول :
" وأما الثنوية فإنهم عبدوه من حيث نفسه تعالى ، لأنه تعالى جمع الأضداد بنفسه ، فشمل المراتب الحقية والمراتب الخلقية ، وظهر في الوصفين بالحكمين ، وظهر في الدارين بالنعتين ، فما كان منسوبا إلى الحقيقة الحقية فهو الظاهر في الأنوار وما كان منسوبا إلى الحقيقة الخلقية فهو عبارة عن الظلمة ، فعبدوا النور والظلمة لهذا السر الإلهي الجامع للوصفين والضدين والاعتبارين والحكمين كيف شئت من أي حكم شئت ، فإنه سبحانه يجمعه وضده بنفسه .
فالثنوية عبدوه من حيث هذه اللطيفة الإلهية مما يقتضيه في نفسه سبحانه وتعالى ، فهو المسمى بالحق ، وهو المسمى بالخلق ، فهو النور والظلمة " ( ص 125 ) .
بهذا الوضوح شرح الجيلي مذهب الفلاسفة الصوفية الزنادقة الملاحدة ، وبهذا التفصيل والبيان يستطرد أيضا قائلا :
" وأما المجوس فإنهم عبدوه من حيث الأحدية ، فكما أن الأحدية مفنية لجميع المراتب والأسماء والأوصاف ، كذلك النار فإنها أقوى الاستقصاءات وأرفعها ، فإنها مفنية لجميع الطبائع بمحاذاتها ، لا تقاربها طبيعة إلا تستحيل إلى النارية لغلبة قوتها ، فكذلك الأحدية لا يقابلها اسم ولا وصف إلا يندرج فيها ويضمحل ، فلهذه اللطيفة عبدوا النار وحقيقتها ذاتها وتعالى " .