وثانيا : ينقدح لهم استناد الصفات بأجمعها إليه ، فيرى أن كل بصره فهو من بصره ، وكل سمع فهو من سمعه ، إلى غير ذلك ؟ ولعلك حرور باقتناص بطنها ووجه ثانويتها ، فهذه هي المكاشفة .
وثالثا : ينقدح استناد الذوات ، فيرى أن كل ذات فهو من ذاته ، فإذا انتقل إلى بطنها ، وهو أن الواجب جلّ مجده سنخ كلّ موجود ، وأن كلّ موجود مفاض منه إفاضة مقدسة ، ثم السير إلى اللّه ، وهذه هي ( المشاهدة ) ، ثم إن جذبات اللَّه تعالى تجاذبه حيناً فحيناً حتى ترتفع الحجب والتقيدات ولا يبقى إلا ذو الجلال والإكرام في وحدته وكبريائه ، ويكون المدرك عين المدرك ، فلا يعلم بالعلم الحضوري إلا اللَّه سبحانه .
- مر هذا النص في معناه أكثر من مرة في الصفحات السابقة ، ملخصه أن السالك في سيره إلى المعرفة ، أي إلى معرفة وحدة الوجود ، يمر في ثلاث مراحل :
أولا : معرفة وحدة الأفعال ، حيث يشاهد الواصل ذوقا واستشعارا أن كل الحركات التي تجري في الكون هي حركات الواحد وأفعاله ، وهذه هي المحاضرة .
ثانيا : معرفة وحدة الصفات حيث يشاهد الواصل أن الصفات جميعها التي يراها المحجوبون صفات لمخلوقات ، مثل : سميع ، بصير ، طويل ، عريض ، أحمر ، أخضر ، شجاع ، جبان . . هي صفات للواجب جل مجده ( حسب تعبير الدهلوي ) تظهر في تعيناته التي يظنها المحجوبون غيره ، وهذه هي المكاشفة .
ثالثا : وحدة الذات ، أو وحدة الوجود ، وهذه هي المشاهدة ، وفي واقع الأمر إن الأصل هو وحدة الوجود ، وما وحدة الأفعال ووحدة الصفات إلا نتائج لها .
ويجب أن نعرف أن هذا الترتيب قد يحصل لواصل وقد لا يحصل ، وهو تابع ، إلى حد ما ، لتوجيهات الشيخ وإيحاءاته .
الموسوعة الصوفية — صفحة 275
مساهمون: سليمان المدني
ص٢٧٥