وأما مسألة بناء جدار لقوم بخلاء لم يبذلوا القرى ( بكسر القاف ) والضيافة الواجبة ، فإن ذلك من باب مقابلة الإساءة بالإحسان ، وهذا خلق من أخلاق الشريعة الإسلامية والمسيحية واليهودية ففي القرآن الكريم :
( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )
فصلت : 34
وفي الإنجيل ( أحسنوا إلى من أساء إليكم وباركوا لأعينكم ) ، وقال تعالى فيما أوحاه لموسى عليه الصلاة والسلام :
( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً )
البقرة : 83 ،
وما فعله الخضر هو من باب الإحسان إلى قوم قدموا الإساءة .
ثم إن إحسانه لهذين الغلامين لم يتأت منهما إساءة وكان أبوهما رجلا صالحا وهم في قرية ظالمة بخيلة ولو هدم جدار بيتهم لانكشف كنزهم ولاستولى عليه هؤلاء القوم البخلاء ، فلا شك أن ما فعله الخضر من بناء الجدار هو عين ما تأمر به كل شرائع الأنبياء التي أمرت بالفضل والإحسان ، ورعاية اليتامى وحفظ حقوقهم . .
فأي شيء يستغرب مما فعله الخضر ، وأي حقيقة اطلع عليها الخضر تخالف ظاهر شريعة كان عليها موسى بل ما فعله الخضر موافق تماما لشريعة موسى ولشريعة عيسى ولشريعة محمد ولكل شرائع اللّه المنزلة ، ولم يقل الخضر أو يفعل شيئا يخالف ما كان عليه الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، وإنما فقط أطلعه اللّه على بعض أسرار المقادير ففعل ما فعل من الحق الذي لا تنكره الشرائع بناء على هذه الأخبار والأنباء التي أطلعه اللّه عليها . وباختصار لم يفعل الخضر شيئا مخالفا لشريعة موسى فافهم هذا جيدا وتمسك به .
4 - وجود الخضر عليه السلام على دين وشريعة غير شريعة موسى كان أمرا سائغا وسنة من سنن اللّه قبل بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم