كما هو حال كثير من الرؤساء والملوك الظلمة يصادرون وسائل النقل أحيانا إما لمصالحهم أو لمصلحة عامة . .
فما فعله الخضر بالنسبة إلى السفينة موافق للشرع الإلهي تماما في كل دين وملة وليس مخالفا للتشريع ، وإنكار موسى في أول الأمر ناشئ من أنه لم يعرف الخلفية الغيبية التي كان اللّه قد أطلع عليها الخضر بوحي من عنده .
وأما قتل الغلام فهو كذلك سائغ في الشريعة إذا كان هذا الغلام سيكون ظالما لوالديه ، مجبرا لهما على الكفر وكان هذا مما علمه اللّه مستقبلا ، وأطلع عليه الخضر ، فكان قتله أيضا سائغا ، وقد جاءت الشريعة بقتل الصائل المعتدي . حقا إن الشريعة لا تأمر بقتل الصائل إلا إذا باشر العدوان ، والطفل هنا لم يباشر العدوان بعد ، ولكن القتل هنا بأمر اللّه سبحانه وتعالى الذي يعلم ما سيكون ، وقد كان هذا منه سبحانه وتعالى رحمة بعبدين من عباده صالحين أراد اللّه جل وعلا أن لا يتعرضا لفتنة هذا الولد العاق فيتألما ألمين ، الألم الأول أنه ولدهما وعقوق الأولاد شديد على قلوب الآباء ، والثاني أنهما قد يبلغان الكفر ويتعبان في التمسك بالإيمان وهذا عذاب آخر ، فجمع اللّه سبحانه وتعالى لهما عذابا واحدا فقط وهو فقد الولد ، وفيه خير لهما ولا شك لأن صبرهما ، أيضا على فقده فيه خير لهما .
فلما علم اللّه ذلك ، وأطلع الخضر عليه ، ونفذ هذا بأمر اللّه كان ذلك كله موافقا للشريعة التي عليها موسى وعليها محمد صلى اللّه عليه وسلم وعليها سائر الأنبياء .
ولذلك لما قيل لابن عباس على هذه الحادثة : أيجوز أن نقتل الأولاد ؟ . .
قال : إذا علمت منهم ما علم الخضر فافعل . . أي إن ذلك سائغ في الشريعة ولكن أين من يطلعه اللّه على الغيب كما أطلع الخضر عليه السلام .
الموسوعة الصوفية — صفحة 262
مساهمون: سليمان المدني
ص٢٦٢