يفضل التابع على المتبوع ، والمقتدى على المقتدى به ، وإنما يعطى الأولياء رشاشة مما يعطى الأنبياء - عليهم السلام .
والذين قالوا : إن الأنبياء - عليهم السلام - يوحى إليهم بواسطة والأولياء يتلقفون من اللّه بلا واسطة ، فيقال لهم غلطتم في ذلك ؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - هذا حالهم على الدوام ؛ يعنى الإلهام والمناجاة ، والتلقف من اللّه - عز وجل - بلا واسطة ، والأولياء وقتا دون وقت . وللأنبياء عليه السّلام - الرسالة ، والنبوة ، ووحى بنزول جبريل عليه السّلام وليس للأولياء ذلك .
ولو بدت ذرة على الخضر - عليه السلام - من أنوار موسى عليه السّلام وتخصيصه بالكلام ، لا متحق الخضر عليه السلام ، فافهم ذلك إن شاء اللّه - تعالى - والولاية والصديقية منورة بأنوار النبوة ، فلا تلحق النبوة أبدا ، فكيف تفضل عليها " 56 .
وهكذا يرد السراج الشبهة التي ضلت فيها هذه الفرقة : وهي ما فهمته خطأ من تفضيل الخضر على موسى - عليهما السلام - لاختصاص الأول ببعض الخصائص التي ليست للثاني .
أما عن زعمهم أن الأولياء يتلقفون عن اللّه مباشرة ، والأنبياء يأخذون عنه - تعالى - بواسطة الوحي . قد سلم في الأولى بالاختصاص ، ونفى ما فهم منه فهما فاسدا من التفضيل ، وضرب الأمثلة لذلك ، أما هذه فلا اختصاص للأولياء بالإلهام ، فالأنبياء يشاركونهم فيه ، ويزيدون عليهم بالوحي ، وهو مرتبة أعلى من الإلهام ، فالأفضلية للأنبياء ظاهرة ، وغلط هؤلاء فيما فهموه من هذه الشبهة أيضا .
لكن هناك تهمة مشابهة وجهت إلى آخرين من الصوفية - بعد عصر السراج - بناء على أن الولاية أفضل من النبوة ، ولكن ينسى أصحاب الاتهام أن من قال ذلك يرى اجتماع الأمرين في النبي ؛ فكل نبي هو ولى في الوقت نفسه ، ولكن العكس ليس بصحيح ، فليس كل ولى نبيا ، وإذن فلا تفضيل للولي على النبي ، غاية الأمر أنهم يقولون : إن جانب الولاية من شخصية النبي يعبر عن صلته بمولاه ، أما النبوة فصلته بالخلق ، والنبوة لا تكون قبل الأربعين ، وتنتهى عند البعض بالموت ، والولاية دائمة .
وقد وجهت هذه التهمة أيضا إلى الشيعة ، ولكنها تصدق بالنسبة للإسماعيلية ، أو البعض منهم ، أم الاثنا عشرية والزيدية فيصرحون بعكسها .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 769
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٧٦٩