ثم يرد عليهم بقوله : " لم تحسن هذه الفرقة الجاهلة الضالة أن تفرق بين البشرية وبين أخلاق البشرية ، لأن البشرية لا تزول عن البشر . . وأخلاق البشرية تبدل وتغير بما يرد عليها من سلطان أنوار الحقائق ، وصفات البشرية ليست هي عين البشرية 62 .
وهكذا يحدد السراج حقيقة الفناء عند القوم ، ويقرر في سياق ذلك ناحية هامة تتعلق بالحياة النفسية التي لا تتوقف عن التدفق و " التلوين " كما يعبر الصوفية ، مهما بلغ العارف من مراتب الصقل و " التمكين " ، والذي يتوهم أنه ذهاب النفس ، وزوال التلوين عن العبد وقتا دون وقت ، هو ذهاب البشرية ؛ فقد غلط . .
لأن التغيير والتلوين من صفة البشرية ، فإذا زال عنها التغيير والتلوين فقد تغير الآن عن صفتها ، وتلون عن معناها 63 . . "
ب - وناحية ثانية تدل على رسوخ قدم السراج في المجالين الروحي والنفسي أيضا ، في مواجهة من زعموا أنهم بالرياضة الروحية يفقدون تماما الإحساس المادي أو الإدراك الحسى : " وزعمت طائفة من أهل العراق أنهم يفقدون حسهم عند المواجيد ، حتى لا يحسوا بشئ . . وقد غلطوا في ذلك ؛ لأن فقد الحس لا يعلمه صاحبه إلا بالحس ، ولأن الحس صفة البشرية . . الحس لا يزول ولا يفقد على البشر الحي ، ولكن ربما يغيب العبد عن حسه بحسه عند المواجيد الحادثة عن الأذكار القوية . . وما دام في العبد روح ، وهو حي ، لا يزول عنه الحس ، لأن الحس مقرون بالحياة والروح " 64 .
ج - أما الناحية الأخرى التي تسرب منها الضلال في أمر الوحدانية إلى بعض المترسمين بالتصوف ، فهي مسألة " الروح " التي يختم بها السراج نقده لمن غلط منهم في الأصول ، فتوهموها جزءا من الذات الإلهية ، أو أنها غير مخلوقة ، أو أنها باقية بذاتها لا تبلى . وتتناسخ من جسم إلى جسم ، إلى غير ذلك من التخليطات ، التي لا تتفق مع حنيفية الإسلام ، وتفرقته الحاسمة بين الخالق والمخلوق ، مع القرب والولاية والمحبة ، يقول : " ثم جماعة غلطوا في الأرواح ، وهم طبقات شتى . . :
1 - فقوم قالوا : الروح نور من نور اللّه ، فتوهموا أنه نور ذاته .
2 - وقوم قالوا : حياة من حياة اللّه . .
3 - وقوم قالوا : الأرواح مخلوقة ، وروح القدس من ذات اللّه تعالى .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 772
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٧٧٢