يقسمون أشكال المعرفة إلى ثلاثة أنواع :
المكاشفة ، والتجلي ، والمشاهدة ؛ وهذه الأشكال الثلاثة وإن كانت متميزة من ناحية الكيف ، فإنها تختلط مع بعضه البعض ؛ فقد يوجد في العبد اثنان منها في وقت واحد وفي مقام واحد 29 .
والكشف في اللغة هو : رفع الحجاب ، وفي الاصطلاح هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودا وشهودا 30 .
ويتحدث " الغزالي " عما يسميه " علم طريق الآخرة " ، فيقسمه إلى قسمين : علم مكاشفة ، وعلم معاملة . أما علم المكاشفة فهو علم الباطن ، وذلك غاية العلوم ، فقد قال بعض العارفين : من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة ، وأدنى نصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله . وقال آخر : من كان فيه خصلتان لم يفتح له بشئ من هذا العلم :
بدعة أو كبر " ومن كان محبا للدنيا أو مصرا على هوى لم يتحقق به ، وقد يتحقق بسائر العلوم ، وأقل عقوبة من ينكره أنه لا يذوق منه شيئا .
وهو علم الصديقين ، والمقربين ، وهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة ، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة ، فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات اللّه سبحانه ، وبصفاته الباقيات التامات ، وبأفعاله ، وبحكمته في خلق الدنيا والآخرة ، ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا ، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي ، ومعنى الوحي ، ومعنى الشيطان ، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين ، وكيفية معاداة الشياطين للإنسان ، وكيفية ظهور الملك للأنبياء ، وكيفية وصول الوحي إليهم ، والمعرفة بملكوت السماوات والأرض ، ومعرفة القلب وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه ، ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان ، ومعرفة الآخرة والجنة والنار ، وعذاب القبر ، والصراط ، والميزان ، والحساب ، ومعنى قوله تعالى :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
( الإسراء : 14 ) . ومعنى قوله سبحانه :
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
( العنكبوت : 64 ) ، ومعنى لقاء اللّه عز وجل ، والنظر إلى وجهه الكريم ، ومعنى القرب منه والنزول في جواره ،