ومعنى حصول السعادة بمرافقة الملأ الأعلى ، ومقارنة الملائكة والنبيين ، ومعنى تفاوت درجات أهل الجنان حتى يرى بعضهم البعض ، كما يرى الكوكب الدري في جوف السماء إلى غير ذلك مما يطول تفصيله .
وللناس في معاني هذه الأمور بعد التصديق بأصولها مقامات شتى ؛ فبعضهم يرى أن جميع ذلك أمثلة ، وأن الذي أعدّه اللّه لعباده الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وأنه ليس مع الخلق من الجنة إلا الأسماء والصفات .
وبعضهم يرى أن بعضها أمثلة وبعضها يوافق حقائقها المفهومة من ألفاظها ، وكذا يرى بعضهم أن منتهى معرفة اللّه عز وجل الاعتراف بالعجز عن معرفته ؛ وبعضهم يدعى أمورا عظيمة في المعرفة باللّه عز وجل .
وبعضهم يقول إن حد معرفة اللّه تعالى ما انتهى إليه اعتقاد جميع العوام ؛ وهو أنه موجود عالم ، قادر ، سميع ، بصير ، متكلم .
فالمقصود بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلية الحق في هذه الأمور اتضاحا يجرى مجرى العيان الذي لا يشك فيه ، وهذا ممكن في جوهر الإنسان لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا .
ويقصد بعلم الآخرة ، العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن اللّه سبحانه وتعالى ، وعن معرفة صفاته وأفعاله ، وإنما تصفيتها وتطهيرها بالكف عن الشهوات ، والاقتداء بالأنبياء ، صلوات اللّه وسلامه عليهم في جميع أحوالهم ، فبقدر ما ينجلى من القلب ويحاذى به شطر الحق يتلألأ فيه حقائقه ولا سبيل إليه إلا بالرياضة ، وبالعلم والتعليم ، وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب ، ولا يتحدث من أنعم اللّه عليه بشئ منها إلا مع أهله ، وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة وبطريق الأسرار ، وهذا هو العلم الخفي الذي أراده صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة باللّه تعالى ، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار باللّه تعالى ، فلا تحقروا عالما آتاه اللّه تعالى علما منه ، فإن اللّه عز وجل لم يحقره إذا آتاه إياه » " رواه أبو عبد الرحمن السلمى في الأربعين له في التصوف ، من
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 723
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٧٢٣