الصومعة تصيبها الأمطار والرياح والثلج والشمس حتى تقطعت فسقطت . . ! !
وتأتى المرابطة الخامسة وهي المجاهدة فإذا حاسب المرء نفسه فرآها قد قارفت معصية فينبغي أن يعاقبها بالعقوبات ، وإن رآها تتوالى بحكم الكسل في شئ من الفضائل ، أو ورد من الأوراد فينبغي أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها ويلزمها فنونا من الوظائف جبرا لما فات منه وتدراكا لما فرط . .
وتأتى المرابطة الأخيرة وهي المعاتبة وهي مبنية على أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ، وقد خلقت أمارة بالسوء ميالة إلى الشر ، فرارة من الخير ، وقد أمرنا اللّه تعالى بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها ، فإذا أهملت جمحت وشردت ولم يظفر بها بعد ذلك ، وإن لازمتها التوبيخ والمعاتبة كانت نفسك هي النفس اللوامة التي أقسم اللّه بها ، ورجوت أن تصير النفس المطمئنة الداخلة في زمرة عباد اللّه راضية مرضية 2 .
ولنا تعليق يسير على هذا المنهج الغزالي :
1 - إن مرحلة المعاقبة بالصورة التي أمثلها الإمام الغزالي ليست مقبولة شرعا ، فليس من حق التائب أن يضع يده في النار حتى تحترق أو يمد رجله في المطر والشمس حتى تتساقط ، فهذه عقوبات غير شرعية ، ورحمة اللّه تعالى بالتائب أيسر من ذلك كله . .
2 - إن مسألة زيادة الأوراد والأعمال في مرحلة المعاتبة لا تقف عند حد العبادة بالمفهوم الفقهي ، فإن التقرب إلى اللّه تعالى قد يكون بإماطة الأذى عن الطريق ، وإعانة الرجل على دابته وسقاية الحيوان الأعجم ، ورعاية الأرامل واليتامى ، وفي صحيح الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللّه ) ، قال أبو هريرة : وأحسبه قال : وكالقائم لا يفتر ، وكالصائم لا يفطر .
هذا وقد تنوعت وتعددت أقوال الصوفية في المراقبة والمحاسبة ، فقد نقل الإمام القشيري ( ت 465 ه ) ما يلي 3 :
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق رحمه اللّه يقول : من زين ظاهره بالمجاهدة حسّن اللّه سرائره بالمشاهدة ، واعلم أن من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 680
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٦٨٠