إلى مشارطة النفس أولا ، فيوظف عليها الوظائف ، ويشترط عليها الشروط ، ويرشدها إلى طريق الفلاح ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطريق .
ويعقب ذلك المراقبة للنفس وهي على درجتين :
أ - مراقبة المقربين من الصديقين ، وهي أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة الجلال الإلهى ، منكسرا تحت الهيبة ، فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى الغير أصلا .
ب - مراقبة الورعين من أصحاب اليمين ، وهم قوم غلب يقين اطلاع اللّه تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال ، بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال ، متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال . .
ويتمثل الصوفي قول القائل :
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل * خلوت ولكن قل علىّ رقيب
ولا تحسبن اللّه يغفل ساعة * ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب * وأن غدا للناظرين قريب
وعقب المراقبة تأتى المحاسبة فيجب على العبد أن يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق وفي آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها . .
ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه :
" حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا " 1 .
فإذا وجد المرء تقصيرا من النفس فيما اشترطه عليها وجب عليه معاقبة النفس بعقوبة من جنس ما اقترفت ، فمن أكل لقمة شبهة عاقب بطنه بالجوع ، ومن نظر إلى محرم عاقب عينه بمنع النظر كلية ، وهكذا كل طرف من أطراف بدنه يمنعه من شهوته .
ويسوق الإمام الغزالي مرويات في هذا الشأن منها :
أن رجلا من العباد كلم امرأة فلم يزل حتى وضع يده على فخذها ثم ندم .
فوضع يده على النار . . ! !
وأن رجلا خرج من صومعته مفتونا بامرأة فأدركه اللّه بسابقة رحمة وعصمه فندم ، ولما أراد العودة إلى الصومعة قال :
هيهات هيهات ! رجل خرجت تريد أن تعصى اللّه تعود معي في صومعتى ، لا يكون واللّه ذلك أبدا فتركها معلقة في