الشئ ، وتحقّق نفعه لها إنما يكون بعد كمال معرفة الشئ ومعرفة مدى ما فيه من نفع فتتعلق النفس به ، وكذلك كراهية النفس لشئ ما إنما تحصل بعد إحساس النفس بالضرر الكامل في هذا الشئ ، أما الشئ الذي لا تحسه النفس أصلا ولا تشعر به فلا تتعلق به إطلاقا لا حبا ولا بغضا .
والنفس البشرية قد خلقت على نحو معين فهي خلقت فقيرة جاهلة عاجزة ، وهي في كل ذلك محتاجة إلى غيرها ، فهي محتاجة في فقرها إلى من يتعهدها ويتولاها ، ومحتاجة في جهلها إلى من يعلمها ما لم تكن تعلم ، ومحتاجة في عجزها إلى من تستعينه فيعينها ، وهذا أمر بين من حال الإنسان في أطوار حياته المختلفة طفلا رضيعا ، وشابا فتيا ، وشيخا هرما ، فالفقر والجهل والعجز من لوازم النفس البشرية ومن طبيعتها ، ومعلوم أن هذه الأمور تختلف باختلاف عمر الإنسان في مراحله المتعددة ، ففقر الطفل وعجزه ، يختلف عن فقر الشاب وعجزه وكذلك الشيخ يختلف في حاله عن حال سابقيه في كل هذه الأطوار المختلفة . ولم تبرح هذه الأحوال ملازمة للنفس ، ومن إحساس النفس بفقرها وجهلها وعجزها ينشأ عندها نوع من التعلق ، بمن يكفيها هذه الحاجات ، فهي قد تتعلق بشخص ما ، وتتوجه بولائها وحبها له إن هي علمت أنه يكفيها عجزها ، أو فقرها أو جهلها » كما يتعلق الطفل بوالديه والتلميذ بمعلمه ، فإذا لم يجد المرء عند هؤلاء ما يسد فقره أو عجزه توجه بولائه إلى غيرهم ، وهكذا إلى أن يثبت بولائه في نهاية الأمر عند من يثق فيه أنه يلبى له هذه الحاجات 4 وإحساس النفس بهذه الأمور هو الذي يحرك فيها الإرادة والتوجه إلى مطلوب بعينه فتحبه ويتعلق رجاؤها به .
فإن كل حركة ظاهرة أو باطنة مبعثها إحساس النفس بها فتتوجه الإرادة إليها ، وبين الحب والبغض تتقلب أحوال النفس البشرية وتتغير ، وعلى ضوء هذين الحالين تتحدد علاقة النفس بغيرها ، ولا تخلو نفس بشرية من الاشتغال بأحد هذين الحالين ، فهي تتقلب دائما بين محبة
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 666
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٦٦٦