فليست تظل ، وانهزم عسكر الحق فليس يكرّ . وعورت عيون البصائر فليست تصبير ، وانطمست رسوم الطريق فليست تسلك ، وغاب المخبر وانقطع الخبر " 29 .
ويقول المقرى عن صوفية عصره :
طمسوا لآلاء العزّ ، فجعلوا ( القصائد مسائل ، والرسائل وسائل ، والمقطعات مرقعات ، فآل أمره إلى ما آل ) 30 .
وإذ أخذنا في الاعتبار نقد الطوسي والقشيري وهما متقدمان ، وجمعنا إليهما الجيلاني والسهروردي والدباغ وهم من أبناء القرن السادس والسابع ، أدركنا أن النقد الداخلي للتصوف بدأ على ألسنة المؤلفين مبكرا ، كما قام به أرباب الأقوال في فترات متقدمة عن هؤلاء المؤلفين . والقصد والنية من وراء النقد ليس هو التشهير والهدم بل التصحيح والتقويم وإعادة الاستقامة للطريق ، والأخذ بيد المريدين إلى نهج أسلافهم في العلم والسلوك والأحوال .
وما يخصنا هنا هو ما يتصل بالزى والرسم ، فقد وضح لدينا لوم الناقدين له باعتباره شكلا يخلو من الحقيقة ، وهي المطلب الأسمى لرجال الطريق الذين لا يقرون من المقامات والآداب إلا ما وافق الشرع وأوصل إلى الحقائق المنشودة ، والأحوال المطلوبة ، وكل قاعدة أو رسم فلابد أن يكون منوطا بالغايات العليا من وراء السلوك علما وعملا ، وإن صحت النية ، وشحذت الإرادة وقويت المجاهدة ، وكثرت الطاعة ودقت الاستقامة ، وتجرد الإخلاص ، وبدت البوادي ، وانقطعت العوادى ، صح للمريد بعد ذلك أن يلبس الشعار وان يرتدى الدثار ، يقول الدارانى :
إذا لم يبق في القلب من الشهوات شئ جاز للمريد " أن يتدرع عباءة ويلزم الطريق لأن العباءة علم من أعلام الزهد " 31 وهو نفسه ما قرره القشيري بعد نقده السابق في قوله : " يا أخي لا يغرنك ما ترى من ظاهر الرسم وموجود الاسم فعند مطالبة الحقائق يفتضح أهل الرسم ، ولا يوزن من الأعمال إلا خوارقه ، ولا يصح من الأحوال إلا حقائقه . ولا ينفع من الدعاوى إلا ما كان مقدورا بصدق المعالي " 32 . والشريعة مستقاة من الوحي ، والوحي رباني ، فالرب منزل الوحي ، والنبي متلقيه ، والسنة منه وشرحه ، فمن أخذ الوحي والحق ، وتمسك بالسنة شريعة ، وجد في السير والسلوك طريقة ، وتخلص من شوائب البشرية تخلية ، أتته البوادي والرقائق والدقائق
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 605
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٦٠٥