الناجمة عن إهمال الشرع في السلوك ، وإزاء هذا امتدحوا بكل فخر واعتزاز كل من كان كذلك حتى كان أبو علي الكاتب يقول عن أبي على الروذباري إنه " سيدنا " فقيل له في ذلك فقال : " لأنه ذهب من علم الشريعة إلى الحقيقة ، ونحن رجعنا من علم الحقيقة إلى علم الشريعة 30 .
ومعناه أن الروذباري قصد الشريعة أولا فدرسها وتعمقها وطبقها فهدى منها إلى الحقيقة ، وغيره من أمثال الكاتب هفت نفسه إلى الحقيقة ، فلما دنا من رحابها نيّة واتجاها ومحاولة اعتاصت عليه فأدرك أنه لن ينالها إلا بالرجوع إلى الشريعة فعاد واجتهد فيها حتى كوشف على قدره ، فلما كان الحال . كذلك وابتدأ الروذباري من الباب ومن الأمر كان سيدا للذين حاولوا أن يتخطوا الباب إلى ما في داخله ، ثم تبين لهم وهمهم فعادوا إلى المدخل الشرعي الصحيح ، وأيضا فإن العلماء مجدوا الشيخ أبا مدين لأنه " وقف بظاهره مع الشريعة ، وذهب بباطنه مع الحقيقة ، فما انقطع لصحة البداية ولا رجع لعدم الغاية " والنص واضح لا يحتاج إلى تعليق .
ثانيا : وأما في الغاية فإن رجال الطريق قصدوا من وراء القول بالظاهر والباطن إلى التكامل الديني ، والنفسي والروحي ، وإلى محاولة التعمق في النصوص وأسرارها ، أو تجلت غايتهم في تربية الظاهر ، وتصفية الباطن ، كي تنقشع الحجب بين السالك وربه ليدرك المعاني الدقيقة ، ويستنبط بنور ربه من أسرار الآيات ما يخفى عن الحس والعقل اللذين اجتهدا في ظاهرها ، ومن هذه النظرة البريئة ، والغاية المحمودة سلمت نياتهم وصحت أعمالهم ، وتحققت مآربهم ، ولم يتخلوا عن الشريعة عندما بدت الحقائق أمام عين بصائرهم ، بل نادى كل منهم على الآخر وهو غارق في ساحات القرب " إياك أن تترك العمل " ، فقيل : وما ذاك العمل ؟ قال داود الطائي : " دوام الطاعة لمولاك " 31 ، وتحاثوا فيما بينهم على أن يرفع كل سالك جهد الطاعة كلما صعد درجة على سلم الوصل والقرب ، وأن يترقى ظاهره بمقدار من يصاحب فيكون مع
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 548
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٥٤٨