والرسائل والمسائل لابن تيمية وفي مدارج السالكين لابن قيم من تقدير شديد للصوفية السنيين المعتدلين كشقيق ومعروف والدارانى ، والأنطاكي ، والسرى ، والجنيد ، وحاتم الأصم ، والشبلي ، وغير هؤلاء الذين التزموا الشرع بداية ونهاية ، مما يقطع بأن اللوم انصب على المتفلسفين من الصوفية لا المتشرعين الصادقين ، وأحب أن أقول هنا إن المعتدلين قد ساهموا بقدر كبير في حرب الخارجين والمدعين والمنتسبين والمتشبهين ، فالسلفيون والسنيون يلتقون عند احترام الشرعيين كما يلتقون عند ذم المفرطين ، ولو أن ابن الجوزي وأشباهه من مدرسته حددوا منذ البداية أرباب الصبغة الفلسفية وشبهوهم بالباطنية لأراحوا واستراحوا ، وكانوا أكثر التزاما لجادة الصواب .
الفقه الصوفي في العبادة :
اقتصر جمهور الفقهاء على دراسة الأحكام الظاهرة فقط ولم يعيروا الباطن كبير اهتمام ، ولم يأخذوا في اعتبارهم منه إلا النية فقط ، ويستثنى من ذلك أمثال الإمام الغزالي في كتابه الإحياء . وجاء الصوفية فأفتوا الجميع بأن أحكام الجوارح شرط صحة أو وجوب ، وأحكام الباطن شرط كمال وللظاهر أثره في تنوير الباطن وللباطن أثره في إتقان وقبول الظاهر ، واقتضاهم هذا أن يتأملوا كل حكم ظاهري سواء كان أصليا أو فرعيا تأملا دقيقا ليستشفوا من ورائه ما يناسبه من معنى باطني حتى تجمعت لديهم قواعد باطنية مقابلة للقواعد الظاهرة هي في مجموعها ما يسمى بالفقه الباطني أو الدراية أو الفقه الأكبر ، وقد كشفوا فيه عما يجب أن تتحلى به القلوب بصفة عامة ، وفي أثناء تأدية العبادة بصفة خاصة ، وعما يجب أن تتخلى عنه من الرذائل والرياء المفسد للعبادة كما ربطوا بين أقل الفرعيات الفقهية وبين آداب الحضرة الإلهية التي تقتضى إفراده سبحانه وحده بالطاعة ، وأيضا فقد اشتمل الفقه الباطني المأخوذ من أسرار العبادة على إصلاح النفوس والأخلاق ، أي أنه عم القلب ، والنفس ، والخلق ، والتوحيد النقى .
مع الاهتمام البالغ بالفقه الظاهر ، وإفراد الأبواب الأولى من المؤلفات الصوفية الطوال بالأحكام المتعلقة بصحة العبادة