تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
الذي تقرره سورة الرعد هو نفسه عند الفقهاء : اعلم أن المحو عند الطائفة رفع أوصاف العادة ، وإزالة العلة وما ستره الحق ونفاه 17 قال تعالى :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ
[ الرعد : 39 ] ، فثبت المحو وهو المعبر عنه بالنسخ عند الفقهاء ، فهو نسخ إلهىّ رفعه اللّه ومحاه ، بعدما كان له حكم في الثبوت والوجود . وهو في الأحكام : انتهاء مدة الحكم وفي الأشياء : انتهاء المدة ، فإنه تعالى قال :
كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
[ لقمان : 29 ] فهو يثبت إلى وقت معين ثم يزول حكمه لا عينه فإنه قال : يجرى إلى أجل مسمى فإذا بلغ جريانه الأجل زال جريانه ، وإن بقي عينه فالعادة التي في العموم يمحوها اللّه عن الخصوص ، فمنهم من تمحى عن ظاهره ، ومنهم من تمحى عن باطنه وتبقى عليه أوصاف العادة ، وهو الكامل مع كونه صاحب محو . . . فصاحب المحو يزول عنه الركون إلى الأسباب لا الأسباب ؛ فإن اللّه لا يعطل حكم الحكمة في الأشياء ، والأسباب حجب إلهية موضوعة لا ترفع ، أعظمها حجابا عينك ، فعينك سبب وجود المعرفة باللّه تعالى ، إذ لا يصح لها وجود إلا في عينك ، ومن المحال رفعك مع إرادة اللّه أن يعرف ، فيمحوك عنك فلا تقف معك ، مع وجود عينك وظهور الحكم منه ، كما محا اللّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حكم رميه مع وجود الرمي منه ، فقال :
وَما رَمَيْتَ
فمحاه
إِذْ رَمَيْتَ
فأثبت السبب
وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] وما رمى إلا بيد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وفي الصحيح : كنت سمعه . . . وبصره . . . ويده . . . ، فإزالة العلة في المحو إنما هي في الحكم لا في العين ، إذ لو زالت العلة والسبب لزال ، وهو لا يزول ، فمن الحكمة إبقاء الأسباب مع محو العبد من الركون إليها ، على حكم نفى أثرها في المسببات ، فالأسباب ستور وحجب ، ولا يكون محو أبدا إلا فيما له أثر ، وإلا فليس بمحو 18 . وفي إطار حديث بعض متأخريهم 19 عن حقيقة الذكر قالوا : إن أدنى مراتبه أن ينسى الذاكر في ذكره لربه كل ما سواه ، وأعلاه هي أعلى مراتب الاصطلام ، وهي أن يشهد نفسه عين ذلك الوجود ، وهو المعبر عنه بالسحق والمحق ، وحقيقة السحق والمحق : عبارتان مترادفتان ، وهما فناء العبد بالكلية ، كما قال ابن