تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
قال بعض المشايخ لإنسان صوفي : ماذا تمحو وماذا تثبت ؟ فسكت الرجل ، فقال : أما علمت أن الوقت محو وإثبات ، إذ من لا محو له ولا إثبات فهو معطل مهمل . ويقسم القشيري " المحو " إلى أقسام : محو الزّلة عن الظواهر ، ومحو الغفلة عن الضمائر ، ومحو العلة عن السرائر : ففي محو الزلة إثبات المعاملات ، وفي محو الغفلة إثبات المنازلات ، وفي محو العلة إثبات المواصلات . ثم نجده يقرر أن هذا المحو والإثبات ينبغي ألا يقع إلا بشرط العبودية ، وذلك لأن حقيقة المحو والإثبات صادران عن القدرة ، فالمحو ما ستره الحق ونفاه ، والإثبات ما أظهره الحق وأبداه ، والمحو والإثبات مقصوران على المشيئة ، قال اللّه تعالى :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ
[ الرعد : 39 ] ، قيل في معنى الآية : يمحو عن قلوب العارفين ذكر غير اللّه تعالى ، ويثبت على ألسنة المريدين ذكر اللّه تعالى ، ومحو الحق لكل أحد ، وإثباته على ما يليق بحاله ، ومن محاه الحق سبحانه عن مشاهدته أثبته بقوة حقه ، ومن محاه الحق عن إثباته رده إلى شهود الأغيار ؛ وأثبته في أودية التفرقة . ثم يذهب القشيري إلى القول بأن المحق هو معنى فوق المحو ؛ لأن المحو يبقى أثرا ، والمحق لا يبقى أثرا . وغاية همة القوم أن يمحقهم الحق عن شاهدهم ، ثم لا يردهم إليهم بعدما محقهم عنهم 9 . ويرى السهروردي البغدادي ( ت 632 ه ) أن المحو لا يكون إلا بإزالة أوصاف النفوس ، أما الإثبات فهو بما أدير عليهم من آثار الحب في كؤوس . أو أن المحو : محو رسوم الأعمال بنظر الفناء إلى نفسه وما منه والإثبات : إثباتها بما أنشأه الحق له من الوجود به ، فهو بالحق لا بنفسه بإثبات الحق إياه مستأنفا بعد أن محاه عن أوصافه ، وقال ابن عطاء اللّه : " يمحو أوصافهم ويثبت أسرارهم " 10 . والمحق - عند ابن عربى ( ت 638 ه ) - " فناؤك في عينه تعالى " 11 وهو المعنى الذي عبر عنه القاشاني ( ت 730 ه ) بقوله : " فناء وجود العبد في ذات الحق " ، كما أن المحو فناء أفعاله في فعل الحق ، والطمس فناء الصفات في صفات الحق ، فالأول : لا يرى في الوجود فعلا لشئ إلا للحق والثاني لا يرى لشئ